ذ. اسليماني مولاي عبد الله يكتب: الفوترة الإلكترونية في المغرب: إصلاح ضريبي يعيد رسم العلاقة بين المقاولة والإدارة ويضع شفافية المعاملات على المحك

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

خبير ومستشار في المالية والحكامة والتدقيق

لم تعد الفوترة الإلكترونية مجرد خيار تقني لتحديث المحاسبة أو تسريع تبادل الوثائق التجارية، بل أصبحت إحدى الأدوات الأساسية التي تتجه إليها الإدارات الضريبية الحديثة لإعادة بناء منظومة المراقبة الجبائية على أسس رقمية أكثر دقة وشفافية. وفي المغرب، يكتسي هذا التحول أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطه بمكافحة الفواتير الصورية، والحد من التصريحات غير المطابقة للواقع، وتحسين تتبع المعاملات الاقتصادية، وتوسيع نطاق الامتثال الضريبي. غير أن نجاح هذا الإصلاح لن يقاس بمجرد إطلاق منصة إلكترونية أو فرض صيغة جديدة للفواتير، وإنما بمدى قدرة الدولة على إرساء نظام متوازن يضمن فعالية المراقبة، ويحافظ في الوقت نفسه على استمرارية المقاولات، ولا سيما الصغيرة والمتوسطة منها.

إن الرهان الحقيقي يتجاوز استبدال الفاتورة الورقية بملف رقمي؛ فالمسألة تتعلق بإعادة تنظيم تدفق المعلومات بين البائع والمشتري والمحاسب والإدارة الضريبية، بما يسمح بالتحقق من المعطيات التجارية والمالية في وقت أقرب إلى وقوع المعاملة. ومن شأن هذا التطور، متى استند إلى قواعد قانونية واضحة وبنية تقنية موثوقة، أن يقلص هامش التلاعب في الوثائق، ويحد من استعمال الفواتير غير المرتبطة بعمليات حقيقية، ويساعد على تحسين مطابقة التصريحات الضريبية مع البيانات المحاسبية والتجارية. لكنه، في المقابل، يفرض الانتقال من منطق الامتثال القائم على تجميع الوثائق بعد انتهاء الفترة المحاسبية إلى منطق جديد تصبح فيه جودة البيانات وصحة المعاملة وسلامة النظام المعلوماتي عناصر حاسمة في التدبير اليومي للمقاولة.

ويستند النقاش المغربي حول الفوترة الإلكترونية إلى مسار تشريعي سبق أن فتحه المشرع ضمن الإصلاحات الضريبية، ومن بينها مقتضيات مرتبطة بالقانون رقم 73.16 المتعلق بتنفيذ قانون المالية لسنة 2017، ثم قانون المالية لسنة 2018، الذي شهد تطورات في الإطار الجبائي المرتبط بالفوترة والالتزامات المهنية. ومع ذلك، يتعين التمييز بدقة بين وجود أساس تشريعي يتيح تطوير الفوترة الإلكترونية وبين دخول نظام إلزامي شامل حيز التنفيذ؛ فالأمر الأخير يتوقف على المقتضيات القانونية والتنظيمية المحددة لنطاق التطبيق، وكيفيات التنفيذ، والآجال، والالتزامات والجزاءات. لذلك، لا يصح التعامل مع أي تاريخ متداول أو تصور تقني معلن باعتباره موعدا قانونيا نهائيا ما لم يسنده نص رسمي منشور.

ومن هذا المنطلق، فإن تقييم الإصلاح المرتقب يقتضي الفصل بين ثلاثة مستويات متكاملة: الإطار القانوني الذي يحدد حجية الفاتورة وشروط إصدارها وحفظها، والإطار التقني الذي ينظم تبادل البيانات والتحقق منها، ثم الإطار الجبائي الذي يحدد آثار المخالفات على الخصم الضريبي والتصريحات والحقوق والالتزامات. وأي خلل في التنسيق بين هذه المستويات قد يحول أداة يفترض أن تبسط الامتثال إلى مصدر جديد للنزاعات والتكاليف، خصوصا إذا لم تكن القواعد المتعلقة بتصحيح الفواتير وإلغائها ومعالجة الأخطاء التقنية واضحة بما يكفي.

↑
Exit mobile version