عمود الجهة8..”شرجم” الحلقة الخامسة : الجزائر و ثنائية الأرض و الانسان في الصحراء الشرقية .

الأرض :
يغضب مصطلح الصحراء الشرقية الجزائر كثيرا، و تعتبر أن مجرد ذكره يعد في حد ذاته، تنصلا من الالتزام ب ” الحدود الموروثة عن الاستعمار” كما أقرها و نص عليها مؤتمر منظمة الوحدة الافريقية الشهير في الستينيات من القرن الماضي، فهي في هذا المضمار تحب أن ترى، و يرى معها العالم بعين واحدة، خرقه لمعاهدة افران، لكنها تسد العين الأخرى و تريد أن يجاريها الناس، و أن لا يروا اتفاق الرباط لسنة 1961، فللجزائر وحدها الحق في الانتقاء و التمييز، و إقامة الحجة على الغير بالباطل، فكل شيء في الاستعمار مدنس، ما عدا الحدود الموروثة عنه فهي المقدس، و الصحراء الشرقية مصطلح يتعارض مع معاهدة افران، و ما دام يتقاطع مع اتفاق الرباط، فهذا الاتفاق هو مجرد بلاغ و وثيقة دبلوماسية، لذلك وتماديا في الانتقاء الجزائري، فمعاهدة افران ملزمة في شق العرجة و عش البرابر و صبخة الملح و محيط قصر إيش… و غير ملزمة في البروتوكول الملحق بها، و الخاص بالاستغلال المشترك لمعادن الحديد بغارة جبيلات بتندوف .
تستعمل الجزائر مصطلحين مختلفين، تارة تتحدث عن الجنوب الغربي و تارة أخرى توظف وسم الصحراء الجزائرية، و تعتبر أن مصطلح الصحراء الشرقية في حد ذاته، يتضمن مطالب ترابية للمغرب في الأراضي الجزائرية كما ورثت عن الاستعمار الفرنسي .
تقدر مساحة الصحراء الشرقية ب 1.5 مليون كيلومتر مربع، و تضم ثلاث جهات، هي تندوف و توات ( أدرار) و بشار، و هي غنية بالمعادن الثمينة و الأراضي الشاسعة القابلة للاستصلاح الزراعي، ففي بشار كانت الادارة الكولونيالية الفرنسية على وشك تأهيل (200.000 ) مائتي ألف هكتار و بناء سد كبير و تغيير حال المنطقة و السكان، لكن الاستقلال حال دون ذلك .
كما تسعى الجزائر اليوم لاقامة مشاريع فلاحية كبرى مع دولة قطر لتربية الأبقار الحلوب لتزويد البلاد بالحليب و مشتقاته على مساحات مترامية الأطراف من الأراضي في أدرار، و لحد الساعة لم يخرج المشروع إلى حيز الوجود .
و في تندوف فالأسبقية لمنجم حديد غارة جبيلات الذي اكتشف في سنة 1953، و تواجهه مصاعب جمة و تكاليف باهظة في نقل المعادن من تندوف إلى البحر إن كانت المسافة كببيرة .
و تتوفر المنطقة كما هو حال الجنوب الغربي للمغرب على شيء قليل من أشجار الأركان .
تختلف الصحراء الشرقية عن الغربية في كون ترابها كان منذ الغزو التركي بؤرة للصراع، و مواجهة الأخطار، فالمغرب ظلت التهديدات الخارجية تأتيه من جهتين، من جهة البحر و من جهة الصحراء الشرقية، لذلك ظل السلاطين المغاربة و في طليعتهم المولى عبد الرحمان يعتبرون الحدود بين المغرب و الجزائر هي تلك التي كانت مع الأتراك، أي أن تراب الصحراء الشرقية ظل في اطار التراب المشمول بمعاهدة الحماية، إلى حدود الخمسينيات من القرن الماضي، فلما رفض الملك محمد الخامس السماح لفرنسا باجراء تجاربها النووية فوقه، أخرجته من مقتضياتها و ضمته إلى إطار الاستعمار الذي كان يربط فرنسا بالجزائر .
و يحفظ الأرشيف الكولونيالي الكثير من الأسرار و الخطط الاستعمارية التي كانت فرنسا قد وضعتها للصحراء الشرقية، كانت فرنسا قد حددتها حقلا لتجاربها النووية، لكن وضعها السوسيوتاريخي قد عقد الخطط الفرنسية، فسطرت الأهداف و ظلت تنتقل من الواحدة إلى الأخرى :
● فكانت الخطة ( أ ) هي الاحتفاظ بالصحراء فرنسية سواء وافق المغرب أو لم يوافق .
● و الخطة ( ب ) تتمثل في الاتفاق مع الملك محمد الخامس على اجراء هذه التجارب فوق أرض الصحراء الشرقية مقابل ردها للمغرب، و لما تبين لها صعوبة فرض الخطة الأولى و رفض الملك للاقتراح الثاني، لجأت إلى :
● الخطة ( ج ) فنزعت السيادة المغربية عن الصحراء الشرقية و سعت لخلق كيان صحراوي، فرفض سكان الصحراء الشرقية هذا الطرح و أقروا بارتباطهم بملوك المغرب، فقررت فرنسا تنفيذ :
● الخطة ( د ) و كان الاتفاق مع جبهة التحرير الوطني الجزائرية بضم الصحراء للجزائر مقابل اجراء هذه التجارب النووية على تراب الصحراء الشرقية، فقبلت الجبهة و تمت التجارب النووية .
و عليه فالمآل الذي انتهت إليه الصحراء الشرقية تتحمل فيه فرنسا المسؤولية المباشرة، و تسليمها للجزائر في ظل شتات جزء من سكانها بين البلدين يدين فرنسا أولا، و يدعو للتفكير في الحلول و المصير الذي ترتب عن ذلك في عهدي الاستعمار و الاستقلال، أما مخلفات التجارب النووية فيجب التعويض عليها لسكان الصحراء الشرقية و ليس لأي دولة، و جزء هام منهم يعيش خارج أرضه .
حسمت الجزائر إلى حد الساعة الأرض لصالحها، و صارت الصحراء الشرقية جزءا من الصحراء الجزائرية، و إذا كانت للتاريخ و للسياسة صدفها الماكرة، فإن أكبرها على الاطلاق هي وجود البشر على أرض الصحراء الشرقية، و شاءت الأقدار أن يوزع سكان جهة من جهات الصحراء الشرقية بين المغرب و الجزائر الفرنسية، و بتنصيص موثق و في اتفاقية دولية، أحالت عليها معاهدة افران في ديباجتها، و هي إحالة تشي بالكثير و تسائل الجميع، متعاقدين و مواد و واقع على الأرض ، نصت المادة الخامسة من اتفاقيات باريس على تقسيم لجزء من سكان الصحراء الشرقية بين المغرب و الجزائر، هم المنتسبون لقبيلتي ذوي منيع و أولاد جرير، ليفضح التشرذم البشري الترتيبات التي انتهت إليها الأحوال على أرض الصحراء الشرقية، لقد سلمت فرنسا تراب الصحراء الشرقية للجزائر بدون إعادة الجزء النازح من بشار إلى أرضه، و تركت الأسر مشتتة بين البلدين بعضها مغربي و بعضها الآخر جزائري، ففرنسا و الجزائر في هذا المجال ” حطبتا بالليل ” فخلفت آثار العبث و التلاعب و الفعل الشنيع التي يجب أن يوضع لها حد، و يجبر ضررها البين و المؤلم .
