المختار العيرج يكتب .. الولاة يمدحون لما يقبلون و يذمون حين يدبرون

تلجأ طائفة معروفة من السياسيين و الملحقين بهم و الدائرين في فلكهم، إلى مدح الولاة و رجال السلطة أثناء تعيينهم، و على امتداد كل فترة ولايتهم، و لهم في هذا الاطار قاموس خاص، يمتحون منه مع اختلافات بسيطة، في مستويات تطويع ألسنتهم، فصار لسان البعض منهم ” أطوع من سير * ” و لدى البعض الآخر تجاوزه فصار قابلا لأن يتمطط فيطول، و يلتوى يمينا و يسارا و يتسلق الأعالي و ينزلق إلى الحضيض .. ( تجاوزه ) ليكتسب دربة فائقة يمكن معها أن ” يرضع الشوك ” و يمرر بين إبره، و ما يجرح و لا يدمى و لا يسيل له لعاب !
القرابة من المسؤول مكسب هام، و رضاه أمل و منى، يتنافسون و يتدافعون، و يقصي في سبيل بلوغه، بعضهم بعضا ، ألم تدبج بيانات حزبية و مقالات صحفية في الرشيدية تتباكى و تندب حظ أصحابها العاثر، لما أغلق باب المكتب الكبير أمام البعض و ترك مواربا أمام البعض الآخر، و فتح عن آخره للمحظوظ الذي ولدته أمه في ” خرقة بيضاء ” !
وما أن يغادر الولاة و رجال السلطة إلى جهات أخرى، حتى تستحضر الذاكرة الترك و التهميش و الاهانات، و الاشارات الجارحة و الألفاظ المنفلتة من عقالها، فتشرع الألسنة التي كانت ترضع الشوك في افراز القيح و عصير الحنظل، يعددون العيوب التي كانت تعمى عنها الأبصار، و ينتقدون السلوكات الفظة الغليظة التي كانت تتلون بما تشتهي القلوب، و تركب بما يموه العيون و يخدعها و يخدع الناس معها .
الحضور أسر للمشاعر و الآراء، والغياب فرصة من دهر تحرر الحواس من ارتهاناتها النفعية، وتظهر حقيقتهم العارية قبل حقيقة المسؤولين، أنهم منافقون و جبناء و يعيشون طول حياتهم بلا كرامة و لا ذوق .
يتحدث علم النفس عن ازدواج الشخصية، و مع سياسيينا فشخصيتهم ليست فقط الشيء و نقيضه، بل هي أشياء كثيرة تخفى، و أشياء كثيرة تظهر، فالازدواج لا يكفي لشخصياتهم، بل نحتاج لنلم بطباعهم و مسلكياتهم إلى كل الجموع، إلى جمع التكسير، و جمع الجموع، و منتهى الجموع، و مع ذلك فاللغة ستظل قاصرة عن الإحاطة بما يحيط به سور الصين العظيم من أسرار و خفايا و خبايا، فمع سياسييتا الواقع، واقعهم أغرب من الخيال .. لذلك فوالله و تالله لن يجتثهم من الأرض منجل و لا جرار و لا صندوق زجاجي و لا مشاركة تلامس 99،99… فلن يستأصلهم سوى فأس الفلاح الذي دس بذرتهم بيننا و في أرضنا، لكن الفلاح لحد الساعة، مازال يستهويه رقصهم على النار، و ينتشي لمنظر مؤخراتهم المحروقة، و وجوهم الممسوخة، و أهازيجهم المبحوحة .
* السير : قطعة أو شريط من الجلد ونحوه، والجمع (سُيُور) .






