الرشيديةمجتمع

بوذنيب.. المسبح البلدي…عندما تتجه “الجماعة” إلى “تدوير الصينية” بين أبناء البلدة

عادت الحياة أخيرا إلى المسبح البلدي بمدينة بوذنيب بعد سنوات طويلة من الإهمال والجمود، لكنها عودة لا تحمل معها ملامح البهجة بقدر ما تثير من الأسئلة الحارقة حول واقع ومستقبل تدبير الشأن المحلي بهذه الرقعة الجغرافية الصامدة. إن المشهد السريالي الذي عاشته المدينة مؤخرا يختزل أزمة بنيوية تجاوزت حدود “مرفق ترفيهي” لتكشف عن عمق الاختلال في مفهوم “المرفق العمومي” وواجبات الجماعة الترابية.

حين تتخلى الجماعة عن صميم اختصاصاتها

الواقعة تؤكد، بما لا يدع مجالا للشك، أن المجلس الجماعي لبوذنيب قد استقال اختياريا و تخلى عن اختصاصاته الذاتية ودوره الحقيقي. فكيف يعقل لمرفق حيوي، تكمن أهميته القصوى في تقديم متنفس لأطفال وشباب المنطقة في ظل موجة الحرارة المفرطة التي يرزح تحتها الإقليم، أن يظل معطلا لسنوات طوال، في وقت تتوفر فيه الجماعة على ميزانيات ومخصصات مالية يفترض قانونا وأخلاقا أن توجه لتأهيل البنيات التحتية؟

إن عجز الجماعة عن توفير معدات بسيطة وتشغيل مرفق قائم بذاته، هو اعتراف صريح بالفشل التنموي، وتحويل للمجلس من “مؤسسة تدبير واستشراف” إلى مجرد “متفرج” ينتظر من يملأ عنه الفراغ.

سيكولوجية “تدوير الصينية” واستدرار عطف أبناء المدينة غير القاطنين

أمام هذا العجز الهيكلي، لم تجد الجماعة من حل سوى اللجوء إلى آلية أشبه بـ “تدوير الصينية” على أبناء البلدة البررة؛ أولئك الذين فضلوا في وقت سابق الهجرة والعيش خارجها، واستثمار أموالهم في جهات أخرى توفر بيئة جاذبة ومحفزة للاستثمار، هربا من انسداد الأفق.

لقد أصبحت بوذنيب، بفعل هذا التدبير الارتجالي، تثير شفقة أبنائها الذين “مسك عليهم الله” فتحركت فيهم غيرة الانتماء والمسؤولية الاجتماعية تجاه أهاليهم. إنه منطق “الإحسان التنموي” الذي يعوض دولة الحق والقانون والمؤسسات، حيث تتحول فيه الخدمات الأساسية للمواطن إلى “صدقة جارية” يمن بها المحسنون لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من كرامة الطفولة المغتصبة في الهوامش.

مقاولو البلدة.. إلى متى يستمر “الإنقاذ” بالنيابة؟

وهنا يطرح السؤال الجوهري والمحرج: إلى متى سيواصل المقاولون والمنعشون الاقتصاديون من أبناء بوذنيب التدخل في اختصاصات هي من صميم التزامات الجماعة الترابية؟ فمرة تدخلوا من أجل أداء أجر طبيب المدينة، و مرة من أجل حلحلة مشاكل الجماعة على مستوى المصالح المركزية، وثالثة من أجل تهيئة المسبح البلدي، إن تلبية النداء من طرف غيورين ومستثمرين، وضخ أموالهم ووقتهم لترميم المسبح وإعادته للحياة، هي مبادرة مواطنة تستحق كل الإشادة والتنويه، لكنها في العمق تكشف عورة التدبير الجماعي. لا يمكن للعمل الإحساني والمبادرات الخاصة أن تظل “مظلة” تختبئ خلفها الجماعة للتهرب من المحاسبة والمسؤولية السياسية والقانونية، فالاستمرار في هذا النهج يكرس التواكل الإداري ويطمس الحدود بين “العمل التطوعي” و”الواجب المؤسساتي”.

خصخصة المقدرات وضرب البعد الاجتماعي (إضافة نوعية)

ما يزكي هذا المنطق السلبي، هو ما تلا عملية الفتح من “تحديد لواجب الولوج في 10 دراهم”، وهي تسعيرة أثارت الكثير من اللغط والاحتجاج بين الساكنة، التي اعتبرت هذا القرار يعكس انفصاماً تاماً للمجلس عن الواقع السوسيو-اقتصادي المرير الذي تعيشه الأسر في بوذنيب.

فبدل أن تتدخل الجماعة لضمان مجانية -لأنها لم تصرف عليه شيئا في وجود المحسنين- المرفق أو فرض تسعيرة رمزية جداً لضمان ديمقراطية الاستفادة، تركت المواطن البسيط يواجه عبء “تسليع الترفيه”، حيث تحويل المسبح البلدي إلى ما يشبه “المشروع التجاري” يؤكد أن الجماعة لم تتخل فقط عن الدعم المالي، بل تخلت عن البعد الاجتماعي كمبدأ ناظم للمرفق العام.

 في الحاجة إلى “مسبح رقابي”

إن الحديث المستمر في كواليس الشأن المحلي عن نفقات ومصاريف مختلفة دون أثر واضح على الأرض، يفرض اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، انتقال الهيئات والجهات الرقابية المختصة من مرحلة “الملاحظة” إلى مرحلة التدخل الحازم لتقييم الوضعية المالية والإدارية لجماعة بوذنيب، فالساكنة اليوم لا تطالب بمستثمرين يشفقون عليها، بل تطالب بمؤسسات تحترم عقولها، وتدبر ميزانياتها بالشفافية اللازمة، والمدن لا تبنى بـ “الصدقات”، بل بالسياسات الترابية الناجحة والمسؤولة.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى