منبر الجهة8

ذ. اسليماني مولاي عبد الله يكتب: التحفظ التأويلي في القضاء الدستوري المغربي

بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

لا تقتصر الرقابة الدستورية على الاختيار الثنائي بين التصريح بمطابقة القانون للدستور أو الحكم بعدم دستوريته، بل طوّر القضاء الدستوري آليات أكثر مرونة تسمح بحماية سمو الدستور دون التضحية بالنصوص التشريعية التي يمكن تصحيح معناها عن طريق التأويل. ومن أبرز هذه الآليات ما يُعرف بـ«التحفظ التأويلي»، الذي يشكل أحد أهم مظاهر تطور وظيفة القاضي الدستوري وانتقالها من مجرد مراقبة النصوص إلى توجيه فهمها وتحديد شروط تطبيقها.

يقوم التحفظ التأويلي على فكرة أساسية مفادها أن المقتضى التشريعي قد يحتمل أكثر من معنى؛ أحدها ينسجم مع الدستور، بينما يؤدي معنى آخر إلى المساس بحق أو حرية أو مبدأ دستوري. وفي هذه الحالة، لا تتجه المحكمة الدستورية بالضرورة إلى إبطال النص برمته، وإنما تصرح بمطابقته للدستور شريطة فهمه وتطبيقه وفق التفسير الذي حددته في قرارها.

وبذلك يصبح النص القانوني قابلاً للاستمرار داخل المنظومة التشريعية، لكن ليس بأي معنى قد تستخلصه الإدارة أو المحاكم أو غيرها من الجهات المكلفة بالتطبيق، وإنما بالمعنى الدستوري الملزم الذي رسمته المحكمة. فالتحفظ التأويلي لا يمثل مجرد رأي فقهي أو توجيه استشاري، بل يدخل في صميم منطوق القرار الدستوري وحجيته، ويغدو جزءاً مكملاً للنص الذي خضع للرقابة.

وتجد إلزامية هذا التأويل أساسها في الفصل 134 من دستور المملكة، الذي ينص على أن قرارات المحكمة الدستورية لا تقبل أي طريق من طرق الطعن، وتلزم كل السلطات العامة وجميع الجهات الإدارية والقضائية. ومن ثم، فإن احترام القرار لا يتحقق فقط بالامتناع عن تطبيق المقتضيات التي صرحت المحكمة بعدم دستوريتها، بل يشمل أيضاً التقيد بالتفسير الذي اعتمدته عندما أقرت دستورية النص مقرونة بتحفظ محدد.

وقد كرست الممارسة الدستورية المغربية هذه التقنية من خلال استعمال عبارات من قبيل: «مع مراعاة التفسير الوارد في القرار»، أو «ليس في المقتضى ما يخالف الدستور، شريطة أن يفهم على النحو المبين». وتكشف هذه الصياغات أن المحكمة لا تكتفي بفحص الألفاظ في صورتها المجردة، بل تبحث في الآثار المحتملة التي قد تنتج عن تطبيقها، وتتدخل لمنع كل فهم قد يؤدي إلى نتيجة مخالفة للدستور. ومن الأمثلة الحديثة على ذلك اعتماد المحكمة الدستورية لعبارة «مراعاة للتفسير المذكور» عند فحص القانون التنظيمي رقم 36.24 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية.

ويؤدي التحفظ التأويلي، من هذه الزاوية، وظيفة وقائية؛ إذ يمنع وقوع المخالفة الدستورية قبل حدوثها، ويوجه المشرع والسلطة التنظيمية والإدارة والقضاء نحو التطبيق المنسجم مع الوثيقة الدستورية. كما يسمح بتفادي الفراغ التشريعي الذي قد ينشأ عن الإلغاء الكامل لمقتضى قانوني، خصوصاً عندما يكون النص ضرورياً لتنظيم مؤسسة أو حق أو إجراء أساسي.

غير أن هذه التقنية تثير في المقابل تساؤلاً دقيقاً حول الحدود الفاصلة بين تفسير النص وإعادة كتابته. فالمحكمة الدستورية ليست مشرعاً أصلياً، ولا يجوز لها أن تحل محل البرلمان في وضع قواعد جديدة أو تعديل الاختيارات السياسية التي عبرت عنها المؤسسة التشريعية. لذلك يتعين أن يظل التحفظ التأويلي مرتبطاً بالمعاني التي يحتملها النص فعلاً، وألا يتحول إلى وسيلة لإضافة مقتضيات لم يسنها المشرع أو لاستبدال إرادته بإرادة القاضي الدستوري.

فالتحفظ يكون مشروعاً عندما يختار القاضي من بين عدة تأويلات ممكنة ذلك التأويل الأكثر انسجاماً مع الدستور. أما عندما لا يسمح النص إلا بمعنى واحد مخالف للدستور، أو يكون تصحيح المخالفة مستلزماً إضافة شروط وعناصر جوهرية جديدة، فإن الحل السليم يظل هو التصريح بعدم الدستورية وترك المجال للمشرع كي يعيد صياغة النص في إطار اختصاصه الدستوري.

ويبرز هنا الفرق بين «تفسير القانون» و«صناعة القانون». فالتفسير يحدد مدلول القاعدة القائمة، بينما تنشئ الصناعة التشريعية قاعدة جديدة. والتحفظ التأويلي ينبغي أن يبقى داخل المجال الأول، لأن تجاوز هذا الحد قد يمس بمبدأ فصل السلط وبالاختصاص التشريعي للبرلمان. لذلك فإن مشروعية هذه الآلية لا ترتبط فقط بالغاية الدستورية التي تحققها، وإنما أيضاً بوضوح تعليل القرار ودقة الحدود التي يضعها القاضي لتأويله.

ومن الناحية العملية، لا تتحقق فعالية التحفظ التأويلي بمجرد صدور القرار، بل تتوقف على مدى وصول مضمونه إلى جميع المخاطبين بالقانون. فقد يطّلع القضاة والباحثون على قرارات المحكمة الدستورية، بينما تستمر بعض الإدارات أو المؤسسات في تطبيق النص وفق معناه الظاهر دون استحضار التحفظ المرتبط به. وهنا تظهر أهمية نشر القرارات الدستورية وربط النصوص القانونية بالتفسيرات الملزمة الصادرة بشأنها، حتى لا يتم تداول النص التشريعي منفصلاً عن معناه الدستوري الصحيح.

إن الإشارة الواضحة إلى التحفظات التأويلية ضمن المراجع التشريعية وقواعد البيانات القانونية من شأنها أن تعزز الأمن القانوني، لأن معرفة القاعدة لا تكتمل بقراءة ألفاظها وحدها، بل تقتضي معرفة التفسير الدستوري الذي أصبح ملازماً لها. كما تساعد هذه الإشارة القضاة والمحامين والإدارات والمتقاضين على توقع الحلول القانونية، وتحد من صدور تطبيقات متناقضة للمقتضى نفسه.

وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل تطور اختصاصات المحكمة الدستورية، سواء في مجال المراقبة القبلية للقوانين التنظيمية والأنظمة الداخلية، أو في إطار المراقبة اللاحقة المرتبطة بالدفع بعدم دستورية قانون يمس بالحقوق والحريات التي يضمنها الدستور، وفق الفصل 133 منه.

فالتحفظ التأويلي يساهم في حماية الحقوق والحريات دون تعطيل العمل التشريعي، ويقيم نوعاً من الحوار المؤسسي بين المحكمة الدستورية والبرلمان والسلطة التنفيذية والقضاء. فالمحكمة تحافظ على النص متى كان قابلاً للإنقاذ دستورياً، والمشرع يُدعى إلى مراعاة المبادئ التي استخلصها القضاء الدستوري عند إعداد القوانين المستقبلية، بينما تتولى المحاكم والإدارات ضمان التطبيق العملي للتفسير الملزم.

كما يسهم هذا الأسلوب في تحقيق المساواة بين المتقاضين، لأن توحيد المعنى الدستوري للنص يمنع اختلاف الحقوق والالتزامات تبعاً لاختلاف الجهات التي تطبقه. فالأمن القانوني لا يعني فقط وجود قواعد مكتوبة، بل يقتضي أيضاً وضوحها واستقرارها وإمكانية توقع كيفية تنفيذها. ومن ثم، فإن التحفظ التأويلي يمثل أداة لتحقيق التوازن بين استقرار القانون وخضوعه المستمر للدستور.

غير أن نجاح هذه الآلية يظل رهيناً بثلاثة شروط أساسية: وضوح التحفظ وصياغته بصورة لا تحتمل الغموض، التزام الجهات القضائية والإدارية بمضمونه، وضمان نشره وإتاحته إلى جانب النص القانوني المعني. وكل إخلال بأحد هذه الشروط قد يحول التحفظ من وسيلة لتوحيد التفسير إلى مصدر جديد للاختلاف والالتباس.

إن التحفظ التأويلي يعكس في جوهره تحولاً عميقاً في وظيفة القضاء الدستوري؛ فالقاضي الدستوري لم يعد مجرد «مشرع سلبي» يقتصر دوره على حذف الأحكام المخالفة للدستور، بل أصبح فاعلاً في توجيه المعنى القانوني وحماية النصوص من التطبيقات غير الدستورية. ومع ذلك، ينبغي أن تمارس هذه السلطة بحذر وتعليل صارم، حتى تظل أداة لصيانة الدستور لا مدخلاً لمزاحمة المشرع في اختصاصه.

إن تفسير المحكمة الدستورية يصبح جزءاً من القانون عندما يكون ضرورياً لضمان مطابقته للدستور، وتصبح قراءة النص بمعزل عن ذلك التفسير قراءة ناقصة قد تفضي إلى تطبيق غير مشروع. فالتحفظ التأويلي لا ينقذ النص التشريعي فحسب، بل يعيد إدماجه داخل المنظومة القانونية بمعناه الدستوري الصحيح، محققاً بذلك التوازن بين سمو الدستور واستمرارية القانون، وبين حماية الحقوق واحترام إرادة المشرع.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى