منبر الجهة8

يوسف الكوش يكتب… فين غاديين بهاد لبلاد؟

حين نتأمل واقع جهة درعة تافيلالت اليوم، يفرض سؤال نفسه بإلحاح: إلى أين تتجه هذه الجهة؟ فبعد أكثر من عقد على إرساء الجهوية المتقدمة، لا تزال مؤشرات التنمية في عدد من القطاعات الحيوية تثير الكثير من علامات الاستفهام، في وقت كان فيه المواطن ينتظر انتقالا حقيقيا من مرحلة الوعود إلى مرحلة الإنجاز، وبين الإمكانيات الطبيعية الهائلة التي تزخر بها الجهة، والنتائج المتواضعة على أرض الواقع، تتسع الهوة عاما بعد آخر، ويزداد شعور الساكنة بأن قطار التنمية يمر من محطات أخرى دون أن يتوقف هنا.

المتابع للشأن العام بالجهة يلاحظ بسهولة أن الأداء السياسي لم ينجح في مواكبة حجم التحديات المطروحة، فعدد من البرلمانيين الذين يمثلون أقاليم الجهة لا يظهر لهم حضور قوي في الدفاع عن الملفات الكبرى التي تهم الساكنة، سواء داخل المؤسسة التشريعية أو في النقاش العمومي، كما يرى العديد من المتابعين أن مستوى الترافع حول قضايا الجهة لا يعكس حجم الانتظارات، وهو ما يجعل ملفات استراتيجية ظلت لسنوات تراوح مكانها دون حلول عملية أو قرارات حاسمة.

ولا يختلف الأمر كثيرا على مستوى التدبير الجهوي، حيث يعتقد عدد من الفاعلين أن مجلس جهة درعة تافيلالت لم يتمكن من تقديم النموذج التنموي الذي كانت الساكنة تنتظره، خاصة في ظل النقاش الذي رافق دوراته الأخيرة، والتي أفرزت الكثير من علامات الاستفهام حول طريقة تدبير عدد من الملفات ذات الأولوية، فالمواطن لا ينتظر سجالات سياسية ولا تبادل الاتهامات، بل ينتظر مشاريع حقيقية تغير واقعه اليومي وتوفر فرص الشغل وتحسن الخدمات الأساسية.

أما قطاع الصحة، فيكفي القيام بجولة داخل عدد من المستشفيات الإقليمية بجهة درعة تافيلالت للوقوف على حجم الإكراهات التي تواجهها المنظومة الصحية، فالمستشفيات بكل من تنغير وزاكورة وميدلت وورزازات، إضافة إلى المستشفى الجهوي مولاي علي الشريف بالرشيدية، تعاني من تحديات مرتبطة بالنقص في الموارد البشرية والتجهيزات والخدمات، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على جودة العلاج ويضاعف معاناة المرضى الذين يضطر كثير منهم إلى التنقل لمسافات طويلة بحثا عن العلاج في مدن أخرى.

وفي قطاع التعليم، ورغم المجهودات التي تبذلها الدولة، فإن النتائج المسجلة خلال السنوات الأخيرة تدفع إلى طرح تساؤلات حول قدرة المنظومة التعليمية بالجهة على تحقيق الإقلاع المنشود، فالترتيب الذي تحققه الجهة في عدد من المؤشرات الوطنية لا ينسجم مع تطلعات الأسر ولا مع الإمكانيات التي يفترض أن تتوفر لقطاع يعتبر أساس كل تنمية حقيقية.

كما أن عددا من المواطنين يعبرون باستمرار عن استيائهم من أداء بعض المجالس المنتخبة، معتبرين أن أثر المشاريع المنجزة لا يزال محدودا مقارنة بحجم الاعتمادات المالية المرصودة، وأن المواطن لا يلمس تغيرا حقيقيا في واقعه اليومي، سواء من حيث البنيات التحتية أو الخدمات أو التنمية المحلية.

وفي الجانب الاقتصادي، تبدو الصورة أكثر تعقيدا، فالجهة، رغم ما تتوفر عليه من مؤهلات سياحية ومعدنية وفلاحية، لا تزال تعاني من ضعف الاستثمارات الكبرى، وغياب نسيج صناعي قادر على خلق فرص شغل كافية لاستيعاب آلاف الشباب الحاصلين على الشهادات، وهو واقع تعكسه أيضا مؤشرات البطالة التي تجعل البحث عن فرصة عمل هاجسا يوميا لعدد كبير من أبناء الجهة.

هذا الوضع الاقتصادي والاجتماعي ساهم في تفاقم ظاهرة الهجرة، سواء الداخلية أو نحو الخارج، حيث أصبح عدد من شباب درعة تافيلالت يغامرون بمستقبلهم عبر طرق مختلفة أملا في الوصول إلى الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط، بعد أن فقدوا الثقة في إمكانية تحقيق الاستقرار داخل منطقتهم، وهي ظاهرة تستدعي وقفة تأمل حقيقية، لأنها تعكس حجم الإحباط الذي يعيشه جزء من الشباب في ظل محدودية الفرص.

ولا يزال مطلب إحداث جامعة مستقلة لجهة درعة تافيلالت يطرح نفسه بقوة، باعتباره أحد الأوراش التي طال انتظارها، فكون الجهة من بين الجهات التي لا تتوفر على جامعة مستقلة يثير الكثير من التساؤلات، خاصة وأن التعليم العالي يشكل رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية والبحث العلمي واستقطاب الاستثمارات.

إن الحديث عن واقع درعة تافيلالت ليس دعوة إلى جلد الذات أو التقليل من المجهودات المبذولة، وإنما هو دعوة صريحة إلى تقييم موضوعي للمسار التنموي، وإلى إعادة ترتيب الأولويات بما يجعل المواطن في صلب السياسات العمومية، فالجهة تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لأن تكون نموذجاً تنمويا ناجحا، لكنها تحتاج إلى حكامة أكثر نجاعة، وترافع سياسي أقوى، واستثمارات حقيقية، ورؤية استراتيجية تترجم الإمكانيات إلى إنجازات ملموسة.

ويبقى السؤال الذي يردده أبناء الجهة اليوم أكثر من أي وقت مضى: فين غاديين بهاد لبلاد؟ سؤال يعكس حجم القلق المشروع لدى الساكنة، ويختزل الحاجة الملحة إلى مراجعة شاملة لأساليب التدبير، حتى لا تظل جهة درعة تافيلالت، بكل ما تزخر به من مؤهلات، أسيرة مؤشرات تنموية لا ترقى إلى مستوى طموحات سكانها.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى