منبر الجهة8

ذ. اسليماني مولاي عبد الله يكتب: الاقتصاد المغربي بين مؤشرات النمو وأسئلة العدالة الاجتماعية

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

في كل سنة، يشكل التقرير السنوي لبنك المغرب، إلى جانب الحصيلة الحكومية، مناسبة لتقييم الأداء الاقتصادي للمملكة وقياس مدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق التنمية المنشودة. وإذا كانت المؤشرات الكلية لسنة 2025 تعكس تحسنًا ملحوظًا في عدد من المجالات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد يتعلق فقط بمعدلات النمو أو نسب التضخم، بل بمدى انعكاس هذه المؤشرات على الحياة اليومية للمواطن المغربي.

لقد سجل الاقتصاد الوطني خلال سنة 2025 معدل نمو بلغ نحو 4.9%، مدعومًا بارتفاع الاستثمار واستمرار تنفيذ المشاريع الكبرى، في وقت استقر فيه معدل التضخم عند مستويات منخفضة تقارب 0.8%، وهو ما ساهم في الحفاظ على الاستقرار النقدي. كما واصل بنك المغرب نهجه التيسيري من خلال خفض سعر الفائدة الرئيسي وتعزيز تمويل الاقتصاد، بينما شهدت الاستثمارات العمومية والخاصة دينامية مهمة استعدادًا للأوراش الاستراتيجية التي يعرفها المغرب.

وتؤكد هذه المعطيات أن الاقتصاد المغربي أظهر قدرة ملحوظة على الصمود في مواجهة تقلبات الاقتصاد العالمي، واستفاد من تنوع قاعدته الإنتاجية ومن الإصلاحات الهيكلية التي باشرتها الدولة خلال السنوات الأخيرة.

غير أن القراءة العلمية لأي اقتصاد لا يمكن أن تتوقف عند المؤشرات الماكرو اقتصادية فقط. فالنمو الاقتصادي، مهما ارتفع، لا يصبح ذا قيمة حقيقية إلا إذا انعكس على التشغيل، وتحسن الدخل، وارتفعت القدرة الشرائية، وتراجعت الفوارق الاجتماعية والمجالية.

ومن هنا يبرز التحدي الحقيقي الذي يواجه الاقتصاد المغربي اليوم: كيف يمكن تحويل النمو الاقتصادي إلى تنمية يشعر بها المواطن؟

فالعديد من الأسر لا تزال تواجه ارتفاع تكاليف المعيشة، بينما يظل خلق فرص الشغل، خاصة لفائدة الشباب وحاملي الشهادات، أحد أكبر التحديات المطروحة. كما أن الفوارق بين الجهات لا تزال قائمة، رغم الجهود المبذولة في إطار الجهوية المتقدمة والاستثمارات العمومية.

ولعل هذا ما ينسجم مع التوجيهات الملكية التي أكدت مرارًا أن التنمية لا تقاس فقط بالأرقام، وإنما بمدى استفادة جميع المواطنين منها، وبقدرتها على تحقيق العدالة المجالية وتقليص الفوارق بين مختلف مناطق المملكة.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الأداء الاقتصادي الحالي عن الاستحقاقات الكبرى التي تنتظر المغرب خلال السنوات المقبلة، وعلى رأسها تنظيم كأس العالم 2030، وتنفيذ استراتيجية المغرب الرقمي 2030، ومواصلة تنزيل النموذج التنموي الجديد. فهذه الأوراش تمثل فرصة تاريخية لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، وتحسين تنافسيته، واستقطاب المزيد من الاستثمارات، وخلق مناصب شغل ذات قيمة مضافة.

لكن نجاح هذه المشاريع يظل رهينًا بقدرة السياسات العمومية على ربط الاستثمار بالإنتاجية، وربط النمو بالتشغيل، وربط التنمية الاقتصادية بالتنمية البشرية.

كما يفرض التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي تحديات جديدة أمام سوق الشغل، مما يستوجب تطوير منظومة التعليم والتكوين المهني، وإعداد رأسمال بشري قادر على مواكبة الاقتصاد الجديد، حتى لا تتحول الثورة الرقمية إلى مصدر جديد لتوسيع الفوارق الاجتماعية.

ومن جهة أخرى، فإن تعزيز الحكامة الاقتصادية، وتحسين مناخ الأعمال، وتسريع الإصلاحات الإدارية والقضائية، وتبسيط المساطر، تبقى عوامل أساسية لضمان استمرار النمو وتحويله إلى تنمية مستدامة وشاملة.

إن الاقتصاد المغربي يوجد اليوم أمام مرحلة جديدة، لم يعد فيها الرهان هو تحقيق نسب نمو مرتفعة فحسب، بل ضمان أن يشعر المواطن بثمار هذا النمو في حياته اليومية، من خلال فرص عمل أفضل، وخدمات عمومية أكثر جودة، وقدرة شرائية أقوى، وعدالة اجتماعية ومجالية أكثر إنصافًا.

إن حصيلة سنة 2025 تؤكد أن المغرب نجح في الحفاظ على استقراره الاقتصادي وتحقيق مؤشرات كلية إيجابية، غير أن النجاح الحقيقي لن يقاس بالأرقام وحدها، بل بقدرة هذه المؤشرات على تحسين جودة حياة المواطنين، وتقليص الفوارق، وبناء اقتصاد أكثر شمولًا وتنافسية واستدامة.

فالأمم لا تُقاس فقط بما تنتجه من ثروة، بل أيضًا بقدرتها على توزيع ثمارها بعدالة، وتحويل النمو الاقتصادي إلى تنمية إنسانية يشعر بها كل مواطن، في كل جهة من جهات المملكة

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى