منبر الجهة8

ذ. اسليماني مولاي عبد الله يكتب: حقيقة الكراغلة و الجزائر العثمانية

بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

حين تُستعمل كلمة «الكراغلة» اليوم في السجالات السياسية والإعلامية بين المغاربة والجزائريين، فإنها كثيراً ما تُستعمل خارج معناها التاريخي، حتى تحولت عند البعض إلى وصف لجميع الجزائريين، بينما تكشف المصادر العثمانية والدراسات الجامعية الجزائرية نفسها أن الأمر مختلف تماماً. فالكراغلة لم يكونوا اسماً لسكان الجزائر، ولا لشعب بعينه، وإنما كانوا فئة اجتماعية وسياسية نشأت داخل النظام العثماني بشمال إفريقيا نتيجة زواج رجال أتراك وعثمانيين وافدين بنساء محليات عربيات وأمازيغيات وأندلسيات. ومن هنا تبدأ قصة تاريخية مهمة لفهم طبيعة السلطة التي حكمت الجزائر طوال أكثر من ثلاثة قرون، وفهم الفرق بينها وبين التجربة السياسية المغربية التي استطاعت، رغم محاولات التوسع العثماني، المحافظة على استقلال دولتها وسلالاتها الحاكمة.

الأصل اللغوي للمصطلح تركي، من كلمة Kuloğlu. وتوضح الموسوعة الإسلامية التركية TDV أن المصطلح كان يُطلق في شمال إفريقيا على أبناء الأتراك المستقرين في ولايات أو «إيالات» الجزائر وتونس وطرابلس من نساء محليات، سواء كن عربيات أو أمازيغيات أو من أصول أندلسية. كما استُعمل داخل التنظيم العسكري العثماني بمعنى مرتبط بأبناء رجال فرق «القابي قولو» والإنكشارية. ولذلك فإن محاولة تحويل الكلمة اليوم إلى اسم عرقي لجميع سكان الجزائر لا أساس لها في البحث التاريخي.

وتؤكد دراسة منشورة بجامعة الجزائر 2 بعنوان «دور الكراغلة في الجزائر أثناء الفترة العثمانية 1519-1830» أن هذه الفئة ظهرت بصورة واضحة في نهاية القرن السادس عشر نتيجة زواج الأتراك المستقرين في الجزائر من أسر جزائرية محلية، ثم انتشرت في عدد من الحواضر مثل تلمسان ومعسكر والبليدة والمدية وقسنطينة ووادي الزيتون. وهذه شهادة مهمة لأنها صادرة من البحث الجامعي الجزائري نفسه، ولا علاقة لها بأي سجال مغربي جزائري معاصر.

لكن أهمية الكراغلة لا تتوقف عند أصولهم الاجتماعية. فوجودهم يكشف بصورة واضحة عن طبيعة النظام السياسي والعسكري الذي كان قائماً في الجزائر العثمانية. فبعد وصول الأخوين عروج وخير الدين بربروس إلى المنطقة في مطلع القرن السادس عشر، وضع خير الدين الجزائر سنة 1518 تحت حماية السلطان العثماني سليم الأول، ثم تعزز ارتباطها السياسي والعسكري بالإمبراطورية العثمانية. وتذكر موسوعة لاروس أن الجزائر أُلحقت بالإمبراطورية العثمانية بصورة أوضح سنة 1533، ثم أصبحت ابتداء من 1587 «رِيجنسي» أو إيالة تديرها سلطة مرتبطة بإسطنبول، قبل أن تتوسع استقلالية حكامها لاحقاً، وخاصة في عهد الدايات.

ومن الضروري هنا تفادي خطأين متعاكسين. فالقول إن الجزائر طوال ثلاثة قرون لم تكن سوى منطقة بلا أي مؤسسات محلية قول مبسط وغير صحيح، لأنها طورت مؤسسات ودايات وبايات وديواناً وجيشاً وعلاقات خارجية، ووصلت في مراحل متأخرة إلى استقلال واسع في تسيير شؤونها عن إسطنبول. لكن القول المقابل بأنها كانت منذ القرن السادس عشر دولة وطنية مستقلة بالمفهوم الحديث، منفصلة تماماً عن الدولة العثمانية، لا يصمد أيضاً أمام الوثائق. فالسلطة نشأت داخل الإطار العثماني، وكانت الطبقة العسكرية التركية والإنكشارية عنصراً مركزياً في نظام الحكم.

وتكشف قضية الكراغلة هذه البنية بوضوح استثنائي. ففي دراسة أكاديمية شهيرة للمؤرخ الفرنسي بيير بواييه، منشورة سنة 1970 في مجلة متخصصة بتاريخ العالم الإسلامي والمتوسط، عُرّف الكراغلة بأنهم أبناء الزيجات بين أتراك الميليشيا العثمانية ونساء البلاد. ويشرح الباحث أن الجيش الإنكشاري، المعروف باسم «الأوجاق»، سعى إلى المحافظة على احتكار الأتراك الوافدين من الأناضول لجزء مهم من السلطة والمكاسب، وأن العلاقات العائلية للكراغلة بالمجتمع المحلي جعلت الطبقة التركية الحاكمة تنظر إليهم في بعض المراحل بعين الريبة.

وتشير المصادر إلى أن أول ظهور رسمي واضح للكراغلة باعتبارهم جماعة سياسية متميزة يعود إلى حوالي 1596. ومع تزايد عددهم وثروتهم ونفوذهم دخلوا تدريجياً في منافسة مع الأتراك الوافدين. ولم تكن المسألة عرقية فقط، وإنما كانت أيضاً صراعاً على السلطة والامتيازات والمناصب العسكرية والإدارية.

وفي 1629 انفجرت واحدة من أخطر الأزمات الداخلية في تاريخ إيالة الجزائر. حاولت جماعات من الكراغلة، مستفيدة من دعم فئات محلية، مواجهة احتكار الإنكشارية الأتراك للسلطة. وجاء رد الميليشيا سريعاً، فتعرض عدد من الكراغلة للطرد من مدينة الجزائر ومصادرة ممتلكاتهم. وانتقل قسم منهم إلى مناطق القبائل والتحق بعضهم بقوى كانت بدورها في نزاع مع السلطة العثمانية المركزية في الجزائر.

إن هذه الواقعة وحدها كافية لإظهار مدى عدم الدقة في استعمال «الكراغلة» اليوم اسماً عاماً للجزائريين. فالكراغلة أنفسهم كانوا في القرن السابع عشر في مواجهة سياسية وعسكرية مع الأتراك الذين كانوا يتحكمون في مراكز السلطة، وكان سبب الشك فيهم تحديداً ارتباطهم العائلي بالسكان المحليين.

وتطورت علاقتهم بالسلطة بعد ذلك بين الإقصاء والمصالحة والإدماج الجزئي. ومع مرور الزمن تمكن عدد منهم من الوصول إلى مسؤوليات مهمة، خصوصاً داخل بعض البايلكات، لكن هرم السلطة ظل لفترات طويلة خاضعاً لتوازنات صارمة تحافظ على نفوذ الأوجاق والطبقة العسكرية العثمانية. وتكشف الدراسات المتعلقة بالحياة الاجتماعية في مدينة الجزائر خلال القرن الثامن عشر أن الأتراك كانوا يمثلون أرستقراطية عسكرية وسياسية مميزة عن بقية السكان، بينما شكّل الكراغلة طبقة وسيطة تجمع بين أصل أبوي عثماني وامتداد اجتماعي محلي.

وهنا تظهر المقارنة التاريخية المهمة مع المغرب. ففي الوقت الذي أصبحت فيه الجزائر جزءاً من المجال العثماني منذ القرن السادس عشر، تمكن المغرب من منع العثمانيين من إخضاع دولته. وتذكر موسوعة لاروس، في عرضها لتاريخ المغرب، أن الدولة السعدية استطاعت كبح الطموحات العثمانية والغربية معاً، وأن العثمانيين، بعد الصراع مع السلطان محمد الشيخ واغتياله سنة 1557، انتهوا إلى التخلي عن مشروع إخضاع المغرب.

بل إن سنة 1554 شهدت محاولة واتاسية لاستعادة فاس بمساندة عثمانية، قبل أن يحسم السعديون الصراع لصالحهم. وبعد ذلك حافظ المغرب على دولته الشريفة المستقلة تحت السعديين ثم العلويين، رغم ما شهده من أزمات داخلية وصراعات أوروبية وضغوط إقليمية.

وهذا الفرق التاريخي أساسي عندما نتحدث اليوم عن تاريخ الدول والحدود في المغرب الكبير. فالجزائر المعاصرة، مثل باقي دول المنطقة، لها سيادتها الكاملة المعترف بها دولياً منذ استقلالها سنة 1962، ولا جدال في ذلك. لكن هذه الحقيقة المعاصرة لا تبرر إسقاط حدود ومفاهيم الدولة الوطنية الحالية آلياً على القرن السادس عشر أو السابع عشر أو الثامن عشر، وكأن الخريطة السياسية للمغرب الكبير لم تتغير طوال خمسة قرون.

إيالة الجزائر كانت واقعاً سياسياً مهماً وقوة بحرية ومتوسطية لا يمكن إنكارها، لكنها كانت نتاجاً لنظام عثماني معين، ثم تطورت تدريجياً نحو استقلال فعلي واسع عن إسطنبول. أما المغرب فكانت له دولة وسلالة حاكمة مستقلة عن السلطان العثماني، واستطاع إفشال محاولات إخضاعه، ثم استمرت الدولة العلوية منذ القرن السابع عشر إلى اليوم.

وهذه الحقيقة تكتسي أهمية خاصة في النقاشات المرتبطة بتاريخ المغرب وصحرائه. فبعض الخطابات السياسية المعاصرة تحاول أحياناً إسقاط الحدود التي صنعتها فرنسا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين على قرون سابقة، ثم التعامل معها باعتبارها حدوداً تاريخية أزلية. غير أن تاريخ المنطقة أكثر تعقيداً بكثير؛ فالنفوذ السياسي، والولاءات القبلية، ومسارات التجارة الصحراوية، وسلطة المخزن والبايات والدايات والإمبراطوريات كانت تتحرك ضمن فضاءات لا تطابق بالضرورة الحدود الدولية الحالية.

وإذا كانت الخرائط وحدها قد تخدع، فإن الوثائق الاجتماعية تكشف أحياناً ما تخفيه الخرائط. والكراغلة أحد أفضل الأمثلة على ذلك، لأن ظهورهم كان نتيجة وجود طبقة عثمانية تركية وافدة استقرت في الجزائر وتزاوجت مع السكان المحليين، ثم أنتجت فئة أصبحت بدورها طرفاً في الصراع حول السلطة.

وانتهى نظام الإيالة العثمانية بصورة حاسمة سنة 1830. وبعد الإنزال الفرنسي في سيدي فرج وسقوط مدينة الجزائر، استسلم الداي حسين في 5 يوليوز 1830، لتبدأ مرحلة الاحتلال الفرنسي التي ستعيد رسم المجال السياسي والإداري للمنطقة بصورة عميقة. وما سيصبح لاحقاً «الجزائر الفرنسية» لم يُبنَ دفعة واحدة سنة 1830؛ فقد استغرقت السيطرة على المناطق الداخلية والصحراء عقوداً من الحروب والمقاومات والاتفاقات والتوسع العسكري.

وهنا أيضاً يقع خطأ منهجي عندما تُقرأ خرائط القرن التاسع عشر المتأخر وكأنها خرائط تعود إلى ما قبل 1830. فالاستعمار الفرنسي ورث مراكز الساحل التي كانت تحت سلطة إيالة الجزائر، ثم توسع منها تدريجياً نحو الداخل والجنوب، وهو ما يجعل دراسة مراحل التوسع الفرنسي والاتفاقات الحدودية مع المغرب ضرورية لفهم الخلافات التاريخية التي ستظهر لاحقاً.

أما «الكراغلة»، فقد استمر وجود أسرهم وذريتهم بعد سقوط الحكم العثماني، واندمجوا بصورة متزايدة داخل المجتمع الجزائري. ولذلك لا يجوز علمياً ولا أخلاقياً استعمال المصطلح اليوم للحكم على أصل ملايين الجزائريين أو التشكيك في انتمائهم إلى بلدهم. فالجزائري المعاصر لا يصبح «عثمانياً» لمجرد أن فئة كرغلية عاشت في الجزائر قبل قرون، تماماً كما لا يمكن اختزال أي شعب مغاربي في أحد العناصر التي ساهمت في تكوينه التاريخي.

القيمة الحقيقية للمصطلح ليست في الشتيمة، وإنما في الوثيقة.

فعندما نقول «الكراغلة»، ينبغي أن نتذكر أنهم دليل على مرحلة عثمانية طويلة من تاريخ الجزائر؛ وأنهم وُلدوا من التزاوج بين العنصر التركي الوافد والمجتمع المحلي؛ وأنهم دخلوا في صراع مع الإنكشارية سنة 1629؛ وأن وجودهم يبرهن على تعدد الطبقات والأصول داخل إيالة الجزائر؛ وأن السلطة السياسية هناك لم تكن منذ بدايتها تعبيراً بسيطاً عن «دولة وطنية حديثة» بالمفهوم الذي نعرفه اليوم.

وفي المقابل، تكشف المقارنة مع المغرب حقيقة أخرى لا تقل أهمية: عندما امتدت الدولة العثمانية عبر معظم شمال إفريقيا، من طرابلس إلى تونس والجزائر، توقفت حدود توسعها الفعلي عند أبواب المغرب. فقد استطاع المغرب السعدي، ثم المغرب العلوي، المحافظة على مركز سياسي مستقل، وعلى مؤسسة سلطانية لم تكن تابعة للباب العالي في إسطنبول.

إن الدفاع عن التاريخ المغربي لا يحتاج إلى سب الجزائريين ولا إلى تزوير تاريخهم. المغرب أقوى حين يدافع عن نفسه بالوثيقة؛ بتاريخ دولته ومؤسساته وسلالاته، وبأرشيف علاقاته الدبلوماسية، وبامتداداته الصحراوية، وبالبيعة والروابط السياسية والاجتماعية والتجارية التي صنعت تاريخه.

والوثيقة أكثر إزعاجاً من الشتيمة لأنها تبقى بعد انتهاء الجدل.

لذلك، فبدلاً من استعمال كلمة «الكراغلة» كشعار عابر على شبكات التواصل الاجتماعي، ينبغي استعادتها إلى مكانها الحقيقي في التاريخ. إنها نافذة على ثلاثة قرون من الوجود العثماني في الجزائر، وعلى الصراعات بين الإنكشارية والطبقات المحلية والمختلطة، وعلى الفرق بين تاريخ إيالة تشكلت داخل المجال الإمبراطوري العثماني وبين دولة مغربية قاومت محاولات إخضاعها لذلك المجال.

ومن يريد أن يناقش تاريخ المغرب الكبير بجدية، فليضع أمامه التواريخ: 1518 دخول الجزائر في الحماية العثمانية، 1533 تعزيز ارتباطها بالإمبراطورية، 1587 قيام نظام الإيالة بصيغته الجديدة، 1596 بروز الكراغلة كفئة سياسية متميزة في المصادر، 1629 انفجار صراعهم مع الميليشيا التركية، ثم 5 يوليوز 1830 سقوط الداي وانتهاء النظام أمام الاحتلال الفرنسي.

عندئذ يصبح السؤال الحقيقي ليس: من نشتم بكلمة «الكراغلة»؟

بل: ماذا يكشف وجود الكراغلة عن طبيعة الدولة والسلطة والهوية في الجزائر العثمانية، ولماذا يتم تجاهل هذه الحقائق كلما أُعيدت كتابة تاريخ المغرب الكبير لخدمة صراعات الحاضر؟

ذلك هو النقاش الذي يستحق أن يُفتح، بالوثيقة لا بالشعار، وبالتاريخ لا بالدعاية.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى