الرشيديةسياسة

حين تفتقت عبقرية الوالي السابق…نَظَّمَ “حملة نظافة” بسبب “انسداد الأفق السياسي بالجهة”

يأتي نشر هذه الوثائق ضمن سلسلة من الأرشيفات التي توثق لفترة تولي بوشعاب يحضيه مسؤولية ولاية جهة درعة تافيلالت، وهي مرحلة طبعتها توترات مؤسساتية وأسئلة حقيقية حول طبيعة تدخل السلطة الإدارية وحدود علاقتها بالمؤسسات المنتخبة. وإعادة نشر هذه المراسلات اليوم لا تهدف فقط إلى استحضار وقائع الماضي، بل إلى تمكين الرأي العام من الاطلاع على كيفية تدبير بعض اللحظات الحرجة، وكيف كانت الإدارة الترابية تُقيم الوضع وتبرر تدخلاتها على الأرض. فتوثيق هذه المرحلة يظل جزءًا من واجب حفظ الذاكرة المؤسساتية، وفتح نقاش مشروع حول ممارسات التدبير الترابي، في سياق البحث عن وضوح أكبر في الأدوار والمسؤوليات.

جريدة الجهة الثامنة، تنشر اليوم مضامين وثيقة من الأرشيف الإداري لمرحلة تولي بوشعاب يحضيه ولاية جهة درعة تافيلالت تكشف جانبا من كيفية تدبير لحظة مؤسساتية متوترة داخل مجلس الجهة، هذه المراسلة الرسمية، الموجهة إلى وزارة الداخلية، توثق ليس فقط وقائع أزمة مجلس الجهة، بل أيضا طبيعة تدخل السلطة الإدارية في سياق سياسي متعثر. نشر هذه الوثيقة يأتي في إطار توثيق تلك المرحلة وإتاحة معطيات تساعد على فهم ما جرى خلف الكواليس.

فمباشرة بعد إغلاق و رفع دورة شهر مارس من سنة 2020، الشهيرة، بعدما لم يتجاوز فتحها العشرة دقائق، وجهت ولاية جهة درعة تافيلالت، كعادتها وفي اطار مهامها الادارية، كتابا الى مديرية الشؤون القانونية والدراسات والتوثيق والتعاون بالمديرية العامة للجماعات المحلية بوزارة الداخلية، تعرض فيه مجريات الجلسة مع أحكام قيمة واضحة، مضيفة في نهاية البرقية، النص التالي :

“ومن جهة أخرى فإن الرأي العام المحلي تتبع أطوار هذه الجلسة و انصبت جل التعاليق على التساؤل حول جدوى ما يقع و إلى متى سيستمر هذا الوضع المتسم بالركود و انسداد الأفق في عمل مجلس الجهة مع ما ينتج عن ذلك من آثار سلبية على الحياة اليومية للمواطن.”

“ولسد هذا الفراغ السياسي عمدت هذه السلطة إلى القيام بحملات نظافة وتطهير لإشعار الساكنة بتواجد السلطة بجانبها، ساهرة على تحسين كافة ظروفها. وفي هذا الإطار قامت هذه السلطة بتاريخ 18 فبراير 2020 بحملة لتنظيف وإصلاح المستشفى الجهوي لمولاي علي الشريف موضوع برقيتي عدد…../ق.ش.د بتاريخ 18 فبراير 2020، كما نظمت هذه السلطة حملة نظافة عبر أحياء المدينة والتي لا زالت مستمرة لحد الآن (موضوع ارساليتي عدد …./ق.ش.د بتاريخ 28 فبراير 2020)، بالإضافة إلى ذلك هناك حملات ضد التسكع والانحراف بكل أنواعه لخلق السكينة والطمأنينة لدى المواطنين.”

إن ما يثير الانتباه هو انتقال المراسلة من وصف أزمة مؤسسة جهوية منتخبة، إلى الحديث عن تنظيم حملات نظافة بالأحياء والمرافق. فالنظافة، وفق القوانين التنظيمية، تدخل أساسا ضمن اختصاص الجماعات الترابية”وفق القانون التنظيمي للجماعات رقم 113.14، تتولى الجماعات الترابية اختصاصات النظافة وجمع النفايات داخل النفوذ الترابي”، وليست ضمن المهام الأصلية للسلطة الترابية، كما أن الربط الصريح بين هذه الحملات وبين ما سُمي في الوثيقة بـ”الفراغ السياسي” يكشف عن انتقال غير معتاد من دور التتبع الإداري إلى مبادرات ذات حمولة رمزية في سياق أزمة سياسية تخص مؤسسة منتخبة، وهل كان هدفه تدبير شأن إداري استعجالي، أم تقديم مبادرة ذات بعد رمزي لتعويض تعثر مؤسسة منتخبة. من منظور عقلاني، يبقى تدبير أزمة سياسية ومؤسساتية مسؤولية الفاعلين السياسيين والمؤسسات المعنية، ولا يمكن تعويضه بإجراءات ميدانية ذات طابع خدماتي محدود في الزمان والمكان.

ومن هذا المنطلق، فإن استحضار حملات النظافة في سياق مراسلة تتعلق بأزمة مجلس جهة يثير نوعا من الخلط بين الاختصاصات والأدوار، ويعكس مقاربة تركز على مظاهر الحضور الميداني بدل معالجة جوهر الإشكال المؤسساتي. فتعزيز ثقة المواطنين لا يتحقق فقط عبر مبادرات ظرفية، بل عبر ضمان السير العادي للمؤسسات المنتخبة واحترام استقلالية اختصاصاتها. كما أن الحفاظ على التوازن بين دور السلطة الإدارية كجهاز تمثيلي للدولة، وبين دور الهيئات المنتخبة كفاعل ديمقراطي، يظل شرطا أساسيا لترسيخ حكامة ترابية واضحة المعالم وقائمة على المسؤولية والمؤسسات، لا على الحلول الرمزية المؤقتة.

فالوثيقة، بقدر ما توثق أزمة مجلس منتخب، تكشف أيضا كيف يمكن أن تتحول المبادرات الإدارية ذات الطابع الخدماتي إلى أدوات رمزية في سياق سياسي متعثر، وهو ما يعيد طرح سؤال جوهري حول حدود الأدوار بين السلطة الإدارية والمؤسسات المنتخبة.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى