صفقات “التصبين” بدرعة تافيلالت تعود للواجهة… اطلاق سند طلب جديد لتصبين مستشفى مولاي علي الشريف

عاد ملف الصفقات العمومية بقطاع الصحة بجهة درعة تافيلالت ليفجر موجة جديدة من الجدل، عقب تزامن مسطرتين تتعلقان بنفس الخدمة، فبعد إعلان المديرية الجهوية لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، قبل أزيد من شهر، فتح أظرفة صفقة كبرى تهم جمع ونقل ومعالجة وتصبين ملابس المستشفيات على صعيد الجهة، بغلاف مالي قد يصل إلى أكثر من مليار سنتيم، أعلن المركز الاستشفائي الجهوي مولاي علي الشريف بالرشيدية عن طلب لاقتناء خدمات غسل وكي ألبسة المستشفيات.
هذا التزامن أعاد إلى الواجهة تساؤلات حادة في أوساط مهنيي الصحة والمتتبعين للشأن العام حول منطق إطلاق صفقتين متقاربتين في الموضوع، لكن بمستويين مختلفين من التدبير: واحد محلي تقوده مؤسسة استشفائية، وآخر جهوي يروم توحيد الخدمة على صعيد كامل الجهة.
وحول هذا الموضوع، قال مصدر مسؤول بالمديرية الجهوية للصحة والحماية الاجتماعية بدرعة تافيلالت، أنه “فيما يخص لجوء بعض المؤسسات الاستشفائية إلى إصدار سندات طلب تتعلق بخدمات التصبين، فإن هذا الإجراء يندرج في إطار التدابير الانتقالية الرامية إلى ضمان استمرارية المرفق العام، وتأمين هذه الخدمة الأساسية دون انقطاع، وذلك خلال الفترة الفاصلة بين الإعلان عن الصفقة الجهوية واستكمال جميع الإجراءات والمساطر الإدارية والقانونية المرتبطة بإسنادها ودخولها حيز التنفيذ الفعلي”.
و أضاف المسؤول نفسه “إن اعتماد سندات الطلب يكتسي طابعا مؤقتا واستثنائيا، ويمكّن من تغطية الحاجيات الآنية والضرورية للمؤسسات الصحية، في انتظار استكمال مسطرة إبرام الصفقة الجهوية وتفعيلها من طرف المتعهد الذي سيتم إسنادها إليه.
و أكد المصدر ذاته ” أن هذا الإجراء يتم في احترام تام للمقتضيات القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل في مجال الصفقات العمومية، وبما يضمن استمرارية وجودة الخدمات المقدمة للمرتفقين، دون أن يؤثر ذلك على مسار الصفقة الجهوية أو أهدافها”، مشيرا الى أن نشر الصفقة العمومية لا يعني بداية العمل بها في السنة الجارية”.
ويرى متابعون أن هذا التداخل قد يعكس إشكالا في توزيع الاختصاصات، خاصة في ما يتعلق بالخدمات الداعمة داخل المستشفيات، والتي تشكل جزءا مهما من نفقات التسيير. كما يثير مخاوف من احتمال تجزئة الطلب العمومي أو ازدواجية في صرف الموارد، في حال غياب رؤية موحدة.
وبين تأكيدات رسمية على احترام المساطر القانونية، واستمرار الجدل المهني والإعلامي، يبقى السؤال المركزي قائما: ماذا يقع داخل منظومة تدبير خدمات التصبين بجهة درعة تافيلالت؟ وهل يتعلق الأمر بتكامل في التدبير أم بتداخل يطرح أكثر من علامة استفهام حول حكامة القطاع؟
وكان مسؤول بالمديرية الجهوية للصحة والحماية الاجتماعية قد خرج، في تصريحات إعلامية سابقة، لتوضيح خلفيات الصفقة الجهوية، نافيا ما تم تداوله بخصوص “صفقة بمليار سنتيم” باعتبارها رقما مضللا، ومؤكداً أن الغلاف المالي المعلن عنه هو تقديري فقط، يتراوح بين حد أدنى وحد أقصى، وأن التركيز الإعلامي انصب على السقف الأعلى دون باقي المعطيات.
وأضاف المتحدث، أن كلفة تجهيز وتشغيل وحدات التصبين داخل كل مستشفى، من حيث الماء والكهرباء والموارد البشرية، تصل في المتوسط إلى حوالي 80 مليون سنتيم سنوياً، وهو ما يبرر، حسب قوله، اعتماد صفقة جهوية موحدة تشمل 11 مستشفى بالجهة، مع اقتراب افتتاح مؤسسة استشفائية إضافية”.
غير أن هذه التوضيحات، بدل أن تحسم الجدل، أعادت طرح تساؤلات أكثر عمقاً: إذا كانت المقاربة الجهوية تهدف إلى تجميع الطلب وتحقيق النجاعة الاقتصادية، فلماذا يتم في الوقت نفسه إطلاق طلبات محلية من طرف مراكز استشفائية لنفس الخدمة؟ وهل نحن أمام مرحلة انتقالية بين نمطين من التدبير، أم أمام غياب تنسيق فعلي بين المستويين الجهوي والمحلي؟
ويعيد هذا الملف، من جديد، إحياء النقاش حول حكامة الصفقات العمومية في قطاع الصحة، في ظل مطالب متزايدة من مهنيي القطاع وفعاليات المجتمع المدني بضرورة تكريس مزيد من الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. وتكتسي هذه الدعوات أهمية خاصة في جهة درعة تافيلالت، التي تعاني من اختلالات بنيوية ونقص مزمن في التجهيزات والموارد البشرية، ما يجعل أي حديث عن تدبير المال العام، لاسيما في المجال الصحي، قضية حساسة تحظى بمتابعة واهتمام كبيرين من طرف الرأي العام المحلي.






