
تعيش ساكنة جماعة بوذنيب التابعة ترابيا لإقليم الرشيدية على وقع إشكالات بيئية متفاقمة مرتبطة بتدبير النفايات الصلبة، في ظل استمرار الاعتماد على مطرح عشوائي بات يشكل مصدر قلق حقيقي للسكان والفلاحين المجاورين له، وسط مطالب متزايدة بضرورة إيجاد حلول مستدامة تضع حداً لمعاناة يومية تتكرر منذ سنوات.
وأضحى من المسلمات اليوم أن حماية البيئة تمثل إحدى الركائز الأساسية للتنمية المستدامة، باعتبارها ضمانة لتلبية حاجات الحاضر دون الإضرار بقدرة الأجيال القادمة على تلبية حاجاتها.
ويعد تدبير النفايات الصلبة أحد أهم الواجهات التي تعكس مدى التزام الجماعات الترابية بالحفاظ على البيئة وصحة المواطنين، غير أن الواقع في جماعة بوذنيب يكشف عن اختلالات واضحة في هذا المجال، حيث يثير تدبير النفايات العديد من الملاحظات التي تعكس غياب رؤية شمولية قادرة على تأطير هذا القطاع الحيوي.
وفي هذا السياق، يبرز المطرح الجماعي العشوائي باعتباره الحلقة الأضعف في منظومة تدبير النفايات بالجماعة، فرغم أن هذا المطرح يبعد بحوالي ثلاثة كيلومترات عن المجال الحضري، إلا أن الروائح الكريهة المنبعثة منه، خاصة عند حرق النفايات المتراكمة، تصل إلى عدد من الأحياء السكنية المجاورة، وعلى رأسها حي المطار وأطراف الحي المحمدي، ما يجعل الساكنة تعيش في ظروف بيئية غير صحية.
ولا تقف تداعيات هذا المطرح عند حدود الإزعاج الناتج عن الروائح فقط، بل تتجاوز ذلك لتطال النشاط الفلاحي المجاور له، فقد أصبح المطرح محاطا بعدد من الاستغلاليات الفلاحية التي يملكها صغار الفلاحين من ذوي الحقوق وغيرهم، والذين باتوا يعانون بشكل يومي من الآثار السلبية لهذا الوضع.
وأكدت مصادر محلية لجريدة “الجهة الثامنة” أن الروائح والغازات المنبعثة من النفايات المتراكمة أثرت بشكل ملحوظ على صحة بعض الأطفال، خصوصا على مستوى الجهاز التنفسي، ما يثير مخاوف حقيقية لدى الأسر القاطنة بالقرب من الموقع.
كما سجلت حالات أخرى أكثر خطورة، حيث أدت الحرائق التي تندلع بين الفينة والأخرى داخل المطرح، بفعل احتراق النفايات والرياح القوية، إلى خروج النيران عن السيطرة في بعض المناسبات، لتصل إلى الاستغلاليات الفلاحية المحاذية للجهة الشرقية للمطرح، متسببة في إتلاف عدد من أشجار النخيل التي يعتمد عليها الفلاحون كمصدر أساسي للرزق.
وتزداد حدة المشكلة بسبب الوضعية المتدهورة للبنية التحتية الخاصة بالمطرح، حيث إن سور الموقع أصبح متهدماً في عدة أجزاء، الأمر الذي يعقد عملية ولوج شاحنات جمع النفايات.
وفي كثير من الأحيان تضطر هذه الشاحنات إلى إفراغ حمولتها خارج حدود المطرح، ما يؤدي إلى تناثر الأزبال في محيطه وانتشارها بالقرب من الأراضي الفلاحية والمساكن المجاورة، وهو ما يزيد من حجم الأضرار البيئية والصحية.
وفي مقابل هذه الوضعية المقلقة، كانت جماعة بوذنيب قد استفادت في وقت سابق من البرنامج الوطني لتدبير النفايات الصلبة، من خلال برمجة مشروع إنشاء مطرح مراقب في إطار مجموعة الجماعات “بوذنيب الكبرى”، وذلك بشراكة مع جماعة واد النعام.
غير أن هذا المشروع البيئي الهام ما يزال، إلى حدود الساعة، يراوح مكانه دون أن يسجل أي تقدم ملموس على مستوى التنفيذ، في ظل غياب تتبع فعلي لمسار إنجازه من طرف المجلس الجماعي.
هذا، ويرى متابعون للشأن المحلي أن استمرار هذا الوضع يعكس ضعفاً في التدبير البيئي داخل الجماعة، حيث لم يتم اتخاذ إجراءات فعالة لمعالجة اختلالات المطرح العشوائي الحالي، كما لم تبذل الجهود الكافية للترافع من أجل تسريع إخراج مشروع المطرح المراقب إلى حيز الوجود في إطار المخطط المديري لتدبير النفايات الصلبة.
وأمام هذه المعطيات، يطرح واقع تدبير النفايات ببوذنيب تساؤلات ملحة حول مدى التزام الجماعة بمبادئ التنمية المستدامة، إذ يبدو أنها لم تنجح في حماية الحاضر عبر معالجة الاختلالات البيئية القائمة، كما لم تضع تصوراً واضحاً لضمان مستقبل بيئي سليم للساكنة، الأمر الذي يجعل ملف النفايات الصلبة من بين أبرز التحديات التي تنتظر تدخلاً عاجلاً ومسؤولاً من مختلف الجهات المعنية.






