الرشيديةمجتمع

الرشيدية: مهاجرون غير نظاميين يُغلقون المحطة الطرقية بعد منعهم من السفر… والسلطات تُرحّل الأزمة من المدن الكبرى إلى الهوامش

شهدت المحطة الطرقية بمدينة الرشيدية، توتراً واضحاً بعد أن وجد مئات المسافرين أنفسهم عالقين، مباشرة بعد نهاية عطلة عيد الفطر، بسبب إغلاق مدخل المحطة من طرف مجموعة من المهاجرين غير النظاميين المحتجين على منعهم من السفر.

سلطات تجمع في الدار البيضاء والرباط ومراكش وطنجة… وتُفرغ في الهوامش

وفق معطيات استقتها “الجهة الثامنة” من مصادر محلية متطابقة، فإن جزءاً من هؤلاء المهاجرين تم توقيفهم وجمعهم في حملات سابقة بعدة مدن كبرى من قبيل الدار البيضاء والرباط ومراكش وطنجة، قبل أن يُنقلوا في حافلات إلى مدن وأقاليم هامشية، من بينها الرشيدية.

مصدر محلي قال للجريدة:

> “الدولة كتجمع المهاجرين من المدن الكبرى وترميهوم فالكيران لمدن ما فيها لا فرص شغل ولا بنيات استقبال… هادشي ماشي حل، هادشي هروب للأمام.”

هذا “الترحيل الداخلي” للمهاجرين نحو مناطق مهمشة يطرح تساؤلات حارقة حول منطق تدبير الدولة لهذا الملف:

هل يتعلق الأمر بتخفيف الضغط عن كبريات الحواضر، أم بنقل “المشكل” كاملاً من مركز القرار إلى هوامش البلاد، التي لم تُحل أصلاً مشاكلها الاجتماعية والاقتصادية؟

شركات النقل بين “تعليمات فوقية” وحق التنقل

في محطة الرشيدية، تفاجأ المهاجرون برفض شركات النقل بيعهم التذاكر نحو وجهات مختلفة داخل المغرب، رغم استعدادهم للأداء أسوة بباقي المسافرين.

أحد المهنيين بالمحطة، فضّل عدم كشف هويته، يؤكد:

> “جاءاتنا تعليمات شفوية باش ما نقطعوش ليهم التذاكر… حنا ماشي ضد حتى واحد، ولكن اللي كيعطي الأوامر هو اللي خاصو يتحمل المسؤولية.”

هذا السلوك حوّل المهاجرين إلى “ممنوعين من السفر” دون سند قضائي واضح، ودفعهم إلى الاعتصام قرب مدخل المحطة، ما أدى إلى عرقلة حركة الولوج، وتذمر كبير وسط المسافرين الذين كانوا يستعدون للعودة إلى مقرات عملهم بعد العيد.

حق التنقل… ليس رفاهية

حقوقيون ومحامون يؤكدون أن منع شخص من التنقل داخل التراب الوطني، دون قرار قضائي صريح، يُعد مسّاً خطيراً بأحد الحقوق الأساسية التي يضمنها الدستور والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب.

فحتى في حالة المهاجرين غير النظاميين، يبقى مسار التعامل معهم قانونياً وإدارياً من اختصاص السلطات المختصة، عبر مساطر مضبوطة، وليس عبر قرارات شفوية تُترجم على مستوى شبابيك بيع التذاكر في محطات الحافلات.

تحويل شركات النقل إلى أداة للتمييز بين فئة وأخرى، يضرب مبدأ حياد المرفق العام، ويكرس منطق “المواطن من درجة أولى والمهاجر من درجة صفر”.

الهوامش… من معتقلات الأمس إلى مكبّ مشاكل اليوم

وقائع الرشيدية تعيد إلى الأذهان ذاكرة موجعة لدى سكان عدد من الأقاليم الهامشية، التي تحولت خلال سنوات الرصاص إلى فضاء مفضل لبناء معتقلات سرية، وإلى وجهة “عقابية” للموظفين المغضوب عليهم.

اليوم، ومع استمرار نفس المنطق الترابي، تبدو هذه المناطق مرة أخرى في موقع “الاستقبال القسري”:

– تُرحّل إليها ملفات اجتماعية لم تُحل في المركز.

– يُرسَل إليها مهاجرون غير نظاميين دون أي رؤية إدماج أو دعم.

– تُترك ساكنتها وحيدة في مواجهة البطالة، غلاء المعيشة، وضعف البنيات الأساسية.

مصدر من الفعاليات المحلية علق قائلاً:

> “من عام الفيل وحنا كنتسناو العدالة المجالية والتنمية الجهوية… فالواقع غير الشعارات، أما التطبيق فهو مزيد من الإذلال للإنسان، سواء كان مواطن ولا مهاجر.”

 أي رسالة للساكنة المحلية؟

حين تقرر الدولة، عملياً، نقل أعداد من المهاجرين إلى مدن مهمشة دون إشراك جماعاتها المحلية أو دعم بنياتها الاجتماعية والاقتصادية، فإن الرسالة التي تصل للساكنة هناك واضحة:

أنتم الحلقة الأضعف، وأن مجالاتكم الترابية مجرد فضاءات لتصريف الفشل المركزي، لا لمراكمة التنمية.

كيف يمكن إقناع شباب هذه المناطق بالثقة في المشاريع الجهوية والاستراتيجيات الكبرى، وهم يشاهدون مدنهم تُستعمل كـ“مستودع اجتماعي” لكل ما لا يريد المركز رؤيته أمام الضوء؟

 ما المطلوب اليوم؟

حادث الرشيدية ليس مجرد توتر عابر في محطة طرقية، بل جرس إنذار يجب أن يُسمع جيداً في الرباط والجهات:

1.توقيف منطق الترحيل العشوائي للمهاجرين من المدن الكبرى إلى المناطق الهشة، واعتماد مقاربة شفافة تُشرح فيها الخيارات للسكان المحليين.

2.ضمان حق التنقل للجميع مواطنين ومهاجرين، ما لم يصدر قرار قضائي واضح يقيّد هذا الحق، مع منع استعمال شركات النقل كآلية غير رسمية للمنع والفرز.

3.إطلاق نقاش عمومي حقيقي حول سياسات الهجرة بالمغرب، يشارك فيه الفاعلون المحليون بالهوامش، لا أن يُختزل الأمر في مقاربة أمنية أو في اتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي فقط.

4.ربط أي استقبال للمهاجرينفي مدن الهامش ببرامج ملموسة: دعم اجتماعي، صحة، تعليم، إدماج مهني… حتى لا يتحول وجودهم إلى عنصر احتقان إضافي بين فقراء وفقراء.

ما حدث في الرشيدية، بين أبواب محطة مغلقة ومسافرين عالقين ومهاجرين غاضبين، يكشف من جديد أن الخلل ليس في هؤلاء البشر الذين يبحثون عن حياة أفضل، بل في سياسات تتعامل مع الإنسان – أي إنسان – كرقم زائد يجب إبعاده عن الكاميرا، لا كقيمة تُبنى حولها دولة عادلة وجهات متوازنة.

بلحسن الصوصي

مدير نشر

مقالات ذات صلة

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى