
قال الدكتور يونس الصالحي، أستاذ التعليم العالي بالكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية، على هامش أشغال الدورة الخامسة عشرة من برنامج “الجامعة في السجون”، التي نظمت مؤخرا بالسجن المحلي بالرشيدية، إن مشاركته تندرج ضمن فعاليات الجامعة الربيعية في السجون، التي تنظمها المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده. وقد اختير لهذه الدورة شعار “العقوبات البديلة بين متطلبات الأمن القانوني وحماية الحقوق والحريات”.
وأكد الدكتور الصالحي، في تصريح للجريدة، أن المغرب عمل خلال السنوات الأخيرة على تعزيز ترسانته القانونية من خلال سن قانون العقوبات البديلة، الذي دخل حيز التنفيذ في 25 غشت 2025.
واعتبر أن هذا القانون يشكل تحوّلاً تشريعياً مهماً على مستوى القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية، حيث تم إقرار مجموعة من العقوبات البديلة، من بينها العمل من أجل المنفعة العامة، والمراقبة الإلكترونية، وتقييد بعض الحقوق، إضافة إلى الغرامة اليومية.
وأضاف المتحدث ذاته أن إقرار هذه العقوبات جاء في سياق مجموعة من العوامل والسياقات، سواء على المستوى الوطني أو الدولي، فعلى المستوى الوطني، استحضر الخطابات الملكية، خاصة خطاب 20 غشت 2009، الذي دعا فيه جلالة الملك إلى اعتماد العقوبات البديلة، فضلاً عن عدد من التقارير والتوصيات، من أبرزها تقرير الهيئة الوطنية لإصلاح منظومة العدالة. أما على المستوى الدولي، فأشار إلى مواكبة المغرب لمجموعة من المواثيق الدولية، من بينها قواعد بانكوك وبكين، التي تدعو إلى إدماج العقوبات البديلة ضمن التشريعات الوطنية.
وأشار الدكتور الصالحي إلى أن المشرع المغربي اعتمد هذه العقوبات في إطار التوجه نحو تكريس العدالة التصالحية، موضحا أن العقوبات البديلة لا تعني الإفلات من العقاب، بل تمثل شكلا جديدا من أشكال العقاب يهدف إلى تحقيق التوازن بين الردع وإعادة الإدماج.
وفي السياق ذاته، أوضح أن مداخلته خلال هذه الدورة تمحورت حول موضوع “دور المؤسسات السجنية في تتبع وتنفيذ المراقبة الإلكترونية كعقوبة بديلة”، حيث تم تسليط الضوء على الأدوار المنوطة بالمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، سواء على مستوى مدير المؤسسة السجنية أو على مستوى الإدارة المركزية.
وبين المتحدث ذاته أن هناك تمييزا بين حالتين: حالة المعتقل الذي يوجد داخل المؤسسة السجنية، وحالة الشخص المحكوم بعقوبة بديلة الذي يكون في حالة سراح، كما أشار إلى أنه تم على مستوى الإدارة المركزية إحداث مديرية خاصة بالعقوبات البديلة، تتولى مهمة السهر على تنفيذ هذه العقوبات وتتبع تطبيقها.
غير أن العقوبة البديلة المرتبطة بالمراقبة الإلكترونية، يضيف الدكتور الصالحي، تطرح عددا من الإشكاليات على المستويين القانوني والعملي، فعلى المستوى القانوني، أشار إلى وجود بعض التباينات بين النصوص، داعيا إلى ضرورة توحيد المصطلحات بين القانون المتعلق بالعقوبات البديلة والمرسوم التطبيقي له، وكذا الدليل الصادر عن المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج.
كما أثار المتحدث إشكالية الموارد البشرية والمادية، موضحاً أن المرسوم التطبيقي أناط بالمندوبية العامة مهمة السهر على تنفيذ هذه العقوبات، ما يطرح تساؤلات حول الإمكانيات المتوفرة لضمان تنزيل هذا الورش التشريعي بالشكل المطلوب.
وأشار في هذا السياق إلى تصريح لوزير العدل، الذي أفاد بأن القضاء المغربي أصدر حوالي 15 حكماً يقضي بالمراقبة الإلكترونية كعقوبة بديلة، وهو ما يعكس بداية تنزيل هذا النظام، غير أن تطبيقه يظل مرتبطا بعدد من الشروط التقنية واللوجستيكية.
ومن بين هذه الإكراهات، يضيف الدكتور الصالحي، ضرورة توفر الربط الكهربائي بشكل مستقر، إضافة إلى صبيب كافٍ للأنترنيت، وهو ما قد يشكل تحديا في بعض المناطق النائية، متسائلا عما إذا كانت هذه المناطق تتوفر فعلا على البنيات التحتية الرقمية اللازمة لتفعيل هذا النوع من العقوبات.
وختم الدكتور الصالحي تصريحه بالتأكيد على أن مداخلته تطرقت إلى مجموعة من الإشكالات المرتبطة بتفعيل العقوبات البديلة، معربا عن أمله في أن يتم خلال المرحلة المقبلة تدارك هذه التحديات بما يضمن التنزيل الفعلي والسليم لهذا الورش القانوني المهم.






