
قال الدكتور علي المغراوي، أستاذ بالكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية، خلال مشاركته في مائدة مستديرة حول موضوع: “تنزيل التزامات المغرب الدولية في مجال البيئة”، والتي نظمها المنتدى المدني للتنمية وحقوق الإنسان بشراكة مع المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان يوم السبت الماضي، إن واقع العدالة المجالية بجهة درعة تافيلالت يطرح إشكالات عميقة، مبرزا حجم التفاوتات الصارخة التي تفرضها الظروف المناخية على مختلف الفئات، لا سيما في قطاعي التعليم والصحة، وما يترتب عنها من اختلال في تكافؤ الفرص.
وأكد المتحدث أن مجلس الجهة يتحمل كامل المسؤولية في ما يتعلق بآفاق تنزيل سياسات عمومية فعالة قادرة على معالجة الإشكالات البيئية المتفاقمة، مبرزا أن التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية، وندرة الموارد المائية، وتدهور النظم البيئية، تستدعي رؤية استراتيجية مندمجة تقوم على الاستباق والتخطيط المستدام.
وفي هذا الإطار، أشار إلى أن برنامج التنمية الجهوية لمجلس جهة درعة تافيلالت، الذي كان من المفترض أن يشكل رافعة أساسية لتحقيق التحول البيئي المنشود، أصبح اليوم، حسب تعبيره، خاليا من مشاريع بيئية كبرى قادرة على إحداث أثر نوعي ملموس داخل أقاليم الجهة، سواء من حيث حماية الموارد الطبيعية أو تعزيز التوازنات الإيكولوجية.
وفي السياق ذاته، أوضح المتحدث أن هذا البرنامج أغفل بشكل لافت الخصوصيات البيئية التي تميز الجهة، وعلى رأسها الواحات والمجالات الهشة التي تشكل عمقها الإيكولوجي والتاريخي، مشيرا إلى أن هذه الفضاءات الحيوية لم تحظَ بما يكفي من الاهتمام ضمن أولويات التخطيط الجهوي.
وأضاف أن الواقع الحالي يعكس إقصاء واضحا لعدد من المشاريع المرتبطة بحماية الواحات وتأهيلها، وكذا دعم الأنشطة المستدامة المرتبطة بها، الأمر الذي يثير، بحسب تعبيره، تساؤلات جدية حول مدى التزام المجلس بتبني مقاربة منصفة تضمن عدالة مجالية وبيئية حقيقية داخل تراب جهة درعة تافيلالت.
وأوضح المتحدث ذاته أن تلاميذ المناطق الحارة، الذين يجتازون الامتحانات في درجات حرارة قد تصل إلى 40 درجة مئوية خلال شهر يونيو، لا يدرسون في نفس الظروف التي يستفيد منها نظراؤهم في مناطق معتدلة لا تتجاوز فيها الحرارة 27 درجة، وهو ما يطرح، بحسبه، إشكالا حقيقيا يمس مبدأ تكافؤ الفرص باعتباره أحد ركائز حقوق الإنسان.
ودعا، في هذا السياق، إلى توفير بنية تحتية ملائمة، خاصة قاعات مكيفة، لضمان شروط إنصاف تربوي، ورغم هذه الإكراهات، نوه بصمود تلاميذ المنطقة وقدرتهم على تحقيق نتائج متميزة، مستندين إلى نمط عيش محلي ومنتوجات مجالية تعزز مناعتهم الجسدية.
وفي ما يتعلق بالحق في الصحة، أبرز الدكتور المغراوي العلاقة المباشرة بين التغيرات المناخية وانتشار عدد من الأمراض، من بينها أمراض العيون ونزلات البرد الناتجة عن التقلبات الحرارية، مؤكدا أن المناخ لم يعد مجرد عامل طبيعي، بل أصبح محددا أساسيا في جودة الحياة الصحية للسكان.
أما على مستوى الحق في التنمية، فقد قارن بين معاناة الفلاح في المناطق الواحية، الذي يواجه تحديات الجفاف والتصحر وندرة الموارد المائية، وبين واقع ساكنة المدن الكبرى التي تستفيد من بنية تحتية متقدمة، معتبرا أن تحقيق تنمية مجالية عادلة يظل رهينا بمدى إدماج البعد المناخي في السياسات العمومية.
وفي هذا الإطار، قدم المتدخل تصورا تنمويا ثلاثي الأبعاد (MAT) يرتكز على المعادن والفلاحة والسياحة باعتبارها رافعات أساسية لتحقيق الإقلاع الاقتصادي بالجهة، ففي قطاع المعادن، دعا إلى تمكين الشباب من الولوج العادل إلى رخص الاستغلال بما يساهم في الحد من البطالة، وفي المجال الفلاحي، شدد على أهمية إعادة الاعتبار للأنظمة التقليدية، مثل “الخطارات”، باعتبارها نموذجا ذكيا للتكيف مع ندرة المياه، محذرا من اندثارها، كما انتقد السياسات الحالية التي تسمح بحفر آلاف الآبار العميقة وإقامة مشاريع فلاحية غير منسجمة مع التوازن الواحي، في مقابل معاناة الساكنة المحلية من العطش وتدهور واحات تاريخية.
وفي ما يخص قطاع السياحة، أشار إلى الإمكانات الكبيرة التي تزخر بها مناطق مثل مرزوكة، معتبرا أن اعتماد نموذج للسياحة الواحية المستدامة كفيل باستقطاب ملايين السياح سنويا، مستشهدا بتجارب دولية ناجحة، غير أنه أكد أن تحقيق ذلك يظل رهينا بوضع رؤية استراتيجية مندمجة يقودها صانع القرار الترابي بمشاركة مختلف الفاعلين.
وختم الدكتور المغراوي مداخلته بالتأكيد على أن تحقيق العدالة المناخية بجهة درعة تافيلالت يقتضي توفر إرادة سياسية حقيقية، ونخب قادرة على بلورة رؤية تنموية واضحة، إلى جانب توفير بنية تحتية ملائمة واعتماد سياسات عمومية منصفة، كفيلة بمواجهة التحديات المناخية وضمان كرامة العيش لكافة المواطنين.