د. محمد الحفظاوي يكتب .. صناعة البيئة المحفزة: قوة معنوية حضارية

بقلم محمد الحفظاوي
عندما نقرأ أو نشاهد عرضا فنيا أورياضيا أوثقافيا أو فكريا، فإن ذائقة الاستقبال ومساحة التلقي، تختلف من شخص إلى شخص آخر، بحسب سنه،وتجاربه،وعلمه،وحصيلته المعرفية،ومواهبه،ومهاراته،وذكائه،واستعداداته.فقد أحضر لندوة لتلقي المعرفة، مع أن الفعالية طافحة بالرسائل الكثيرة والمعاني الوفيرة،فهناك إلى جانب مايلقى من أفكار؛ المنهج،وأساليب التواصل والبيان، واللباس، وفن التعامل(الإيتيكيت)، وقد أنتبه إلى كل هذا وغيره، وقد أكتفي ببعضه، وقد يحملني الذهول والشرود على عدم الاستفادة من شيء أو أستفيد من النزر اليسير.
مما قرأته أن طبيبة نفسية حضرت لمقابلة لكرة المضرب، ولاحظت أن تتبع الكرة الصغيرة بالعينين، وهي تنتقل بضربات اللاعبين يمنة ويسرة،يخفف ويُجلي مابها من ضغط وتوتر،فأخذت مذكرتها الشخصية وقيدت المعلومة،لتوظفها في معالجة مرضاها.
في يوم من الأيام وبعد يوم حافل بالعمل استلقيت على الفراش بالبيت، واخترت متابعة مقابلة في كرة القدم من الدوري الأوروبي من باب الترويح والتسلية، لأنني لست من مدمني فرجة كرة القدم كماهو معهود جمهور الهواة،وأثار انتباهي مشهد فريد؛فقد قذف اللاعب البرتغالي الكرة بقوة فمرت فوق العارضة الأفقية قليلا لحارس مرمى الفريق الإنجليزي، ،وارتفع صراخ الجماهير،وجرى بعد الرمية القوية بسبب الجهد المرافق لها، في تجاه الجماهير المشجعة، رافعا يديه يدعوها لرفع وتيرة التشجيع،وسرعان مااستجابت الجماهير للنداء، وتعالت الهتافات، والشعارات المشجعة للفريق!
لقد كانت هذه الحركة ملهمة لي لأفكر في قيمة التشجيع والتحفيز بالنسبة لأداء اللاعب خصوصا، والفاعل في أي مجال عموما، وحاجة كل ناشط نشيط لدعم ونصرة من معه؛ يشد أزره ويشاركه أمره، لما للجمهور أوالرفقة والصحبة والبيئة المتعاطفة والمشجعة، من أثر نفسي على الإنسان، في مضاعفة الجهد،وتجويد الأداء، ومقاومة الضغوط، والشحن بالعزيمة والإصرار والقوة المعنوية!
إن من يدعي موالاتك، يجب أن يكون لك لاضدك،وأن يبرهن على معيته ونصرته ودعمه،بماهو مادي وغير مادي،وبفكرة وعمل،وصوت وإشارة،وكل صمت، سلبية وانسحاب، وكل تثاقل عن التعاون وتخلف عن الإسهام في النجاح؛ هو خذلان وجبن، وتولٍّ وتردٍّ، ولؤم وشؤم، وهوان وموت وعدم، وهزيمة وشتيمة وعار وشنار،وعدم وعي بسنة التدافع الحضاري!
وانظر في صنيع الصحابي المقداد بن الأسود! عندما قال للنبي : «إنا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل: ” اذهب أنت ورَبك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون “، ولكن نقول: “اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون”».إشارة إلى الآية الكريمة: ﴿ قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [ المائدة: 24]
إننا في هذا الموضوع أمام قضية:القوة المعنوية،وهي نوع من أنواع القوة النفسية التي يلزم الانتباه إليها،لأنها وقود الإنجاز، ومحرك العمل لأجل البناء،وإن الحضارة تنطلق وتُقلع في نشوئها أول مرة، بنخبة حاملة لقيم،ومشحونة بقوة معنوية، يوقدها الإيمان في القلوب. كما ذكر ذلك أرلوند توينبي ومالك بن نبي. وإن الطب ليعترف بفاعلية القوة المعنوية في العلاج،والسياسة العسكرية،كذلك، تعترف بأهمية الروح المعنوية للجند في ساحة القتال، والدول في السياسة المعاصرة تستخدم القوة المعنوية،كقوة ناعمة في العلاقات الدبلوماسية،لكسب مواقع التأثير واستجلاب القوة،بالتفاهم بدل الحروب، وبالدبلوماسية عوض التهارج والدمار،وبالاقتصاد والخدمات في مقابل الغصب والاحتلال. وانظر إن شئت في واقع سياسة الصين اليوم يظهر لك البرهان.
وقد فقهت المجتمعات المتقدمة العلاقة الحاصلة بين العمل والإنتاجية، والجزاء أو المكافأة،ففعّلت تلك العلاقة للرفع من معنويات أبنائها لترتفع مردوديتهم في شتى ميادين الحياة، بينما قطعت المجتمعات المتخلفة تلك الصلة؛ فانقلبت المعادلات، وساد الفتور والكسل والبطالة واللامبالاة، إذ إن المجتهد عندما يجد في اجتهاده مجلبة للمتاعب، وفي شرفه مدعاة للعقوبة،ويرى الكسولَ ينال جزاء كسله، واللئيم والفاجريعلورتبة على رتبة، فإن النتيجة واضحة،(وبيان الواضحات من المفضحات)،ولكن العاقبة للتقوى.
ولاشك أن التفريط في هذه القوة يفضي إلى ضعف الأمم، وسقوط الدول،وانحطاط الحضارات،وقد ذكر ابن خلدون في المقدمة؛ أن الله إذا تأذن بانقراض مُلك أمة،حمل أهلها على ارتكاب المذمومات وانتحال الرذائل،وسلوك طريق الشرور،كما حصل في الأندلس مع ملوك الطوائف،فضاعت البلاد وقُتل وشُرد وعُذب،العباد.قال ابن خلدون – مبينا أثرخفوت الدعم المعنوي في العمران الاجتماعي عند فشو الجور من قعود عن العمل وتعطيل للتنمية-:”اِعلم أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها،لمايرونه حينئذ من أن غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم، وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها؛ انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك”المقدمة:287.
وجملة الأمر أن الحفاظ على هذه القوة وجوداً وعدماً، وتوفير الشروط الملائمة لحصولها ونموها ؛يُسهم بشكل فعّال في إعادة صياغة الإنسان لشخصيته، وتحسين كفاءاته،وتطوير مهاراته،وتمتين علاقاته،حتى يتمكن من الإنجاز ومن مقاومة تحديات الواقع، وتجاوز حال الكلٍّيّة،ولايكون ذلك -كما ذكرنا- إلا بصناعة البيئة المُحفزة والمُشجعة على العمل الإيجابي والإنجاز النافع،ابتداء من الأسرة فالحي والمدرسة والقرية أو المدينة والإعلام،والسياسة،والمجتمع المدني،وإشاعة قيمة التفاؤل في النفوس، بماهي صفة معنوية؛ تحمل الفرد والجماعة على اتخاذ الاتجاه الإيجابي في الحياة،والتوقعات الإيجابية في كل الوضعيات،والانتظار –بأمل- لمستقبل كله خير وجمال وإشراق.
فإننا نقرأ في الكتاب الكريم:﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ آل عمران:139.ونقرأ في الحديث الشريف: ((عَجِبْتُ لأمرِ المؤمنِ ، إنَّ أمرَهُ كُلَّهُ خيرٌ ، إن أصابَهُ ما يحبُّ حمدَ اللَّهَ وَكانَ لَهُ خيرٌ ، وإن أصابَهُ ما يَكْرَهُ فصبرَ كانَ لَهُ خيرٌ ، وليسَ كلُّ أحدٍ أمرُهُ كلُّهُ خيرٌ إلَّا المؤمنُ )). أخرجه مسلم: (2999).وصدق الله ورسوله.






