الرشيديةتعليم

الدكتور عبد العالي الفيلالي: الذكاء الاصطناعي يعيد رسم ملامح الدولة الحديثة ويستدعي مقاربات قانونية وفلسفية جديدة

قال الدكتور عبد العالي الفيلالي، أستاذ التعليم العالي بالكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية، والمنسق البيداغوجي لماستر التميز في الأمن الإداري والمالي ومناخ الأعمال، خلال افتتاح فعاليات المؤتمر الدولي حول موضوع: “الذكاء الاصطناعي والرقمنة: مقاربة قانونية وفلسفية وتقنية”، الذي احتضنته الكلية، إن هذا اللقاء العلمي ينعقد تحت العنوان المذكور يعكس عمق التحولات التي يشهدها العالم اليوم، ويبرز الحاجة الملحة إلى تفكير جماعي متعدد التخصصات في واحدة من أبرز قضايا العصر وأكثرها تعقيدا وتشابكا.

وأكد الفيلالي أن المؤتمر لا يأتي في سياق علمي عادي، بل ينعقد في لحظة تاريخية فارقة، تتسم بتسارع غير مسبوق في وتيرة التطور التكنولوجي، تقوده منظومات الذكاء الاصطناعي، التي لم تعد حكرا على المختبرات أو المجالات التقنية الضيقة، بل أضحت فاعلا مركزيا في مختلف مناحي الحياة، من الاقتصاد والصحة والتعليم، إلى القضاء والإدارة والأمن، وصولا إلى التأثير في تشكيل الرأي العام وصناعة القرار.

وأشار المتحدث إلى أن الذكاء الاصطناعي بات اليوم قوة مهيكلة تعيد رسم ملامح الدولة الحديثة، وتفرض مراجعة عدد من المفاهيم الكلاسيكية التي شكلت مرتكزات الفكر القانوني والسياسي والفلسفي، من قبيل المسؤولية والإرادة والتمييز والعدالة والشفافية، والتي لم تعد تُطرح بالبساطة نفسها في ظل الأنظمة التقليدية، بل أصبحت تستدعي مقاربات جديدة تستوعب حضور “الفاعل الخوارزمي” وتأثيره المتنامي.

وأوضح الفيلالي أن أهمية هذا المؤتمر تتجلى في انفتاحه على ثلاث مقاربات تحليلية متكاملة؛ أولها المقاربة القانونية، التي تسعى إلى مساءلة الإطار التشريعي والتنظيمي القائم، واستكشاف مدى قدرته على استيعاب تحديات الذكاء الاصطناعي، سواء فيما يتعلق بتحديد المسؤوليات القانونية عن الأضرار التي قد تُحدثها الأنظمة الذكية، أو بحماية المعطيات الشخصية، أو بضمان حقوق الأفراد في مواجهة القرارات المؤتمتة، أو بتأطير استخدام هذه التقنيات في مجالات حساسة كالقضاء والإدارة العمومية.

وأضاف أن المقاربة التقنية تتيح فهم البنية الداخلية لهذه الأنظمة وآليات اشتغالها وحدودها وإمكاناتها، بما يسهم في تقليص الفجوة بين المشرع والتقني، ويؤسس لحوار منتج يفضي إلى وضع قواعد قانونية واقعية وقابلة للتطبيق، بعيدة عن التجريد والانفصال عن الواقع التكنولوجي.

كما أبرز أن المقاربة الفلسفية تظل حجر الزاوية في هذا النقاش، إذ تفتح المجال للتساؤل حول طبيعة الذكاء وحدود الآلة ومكانة الإنسان في ظل هذا التحول، فضلا عن القضايا الأخلاقية المرتبطة بالتحيز الخوارزمي، والعدالة الرقمية، والكرامة الإنسانية، ومستقبل العمل، ومعنى الحرية في زمن الأتمتة.

وسجل المتحدث أن من أبرز التحديات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي اليوم ذلك التوتر القائم بين منطق الابتكار السريع الذي تدفع به الشركات التكنولوجية الكبرى، ومنطق الضبط القانوني الذي يسعى إلى حماية المجتمع من المخاطر المحتملة، مشددًا على أن دور الباحثين والخبراء يظل حاسما في بناء جسور الفهم وصياغة رؤى متوازنة تجمع بين تشجيع الابتكار وضمان احترام الحقوق والحريات.

كما أشار إلى أن الدول، لاسيما النامية منها، تواجه تحديًا مزدوجًا يتمثل في ضرورة الانخراط في الثورة الرقمية والاستفادة من فرصها التنموية، مقابل الحاجة إلى تأطير هذه التحولات ضمن منظومات قانونية وأخلاقية تحمي السيادة الرقمية، وتصون الخصوصية، وتضمن العدالة في الولوج إلى التكنولوجيا.

وأكد الفيلالي أن هذا المؤتمر لا يقتصر على عرض الأوراق العلمية وتبادل المعارف، بل يطمح إلى أن يشكل منصة لإنتاج أفكار جديدة وصياغة توصيات عملية تسهم في بلورة سياسات عمومية ذكية، وتشريعات مرنة، واستراتيجيات مبتكرة تراعي خصوصيات المجتمعات دون الانفصال عن السياق العالمي.

وختم بالتأكيد على أن هذا اللقاء العلمي يشكل فرصة لتعزيز التعاون الأكاديمي والمؤسساتي، وبناء شبكات بحثية عابرة للحدود، قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة والتفاعل معها بروح نقدية بناءة ومسؤولة.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى