
في بلدنا هذا ، لدينا موهبة نادرة لا ينافسنا فيها كثيرون: كلما أردنا إنقاذ شيء جميل، أفسدناه بحسن نية أو بسوئها، وكلما قررنا حماية الذاكرة، انتهينا إلى دفنها تحت طبقة جديدة من الإسمنت المسلح، لذلك لا غرابة أن يتحول الحديث اليوم عن موقع سجلماسة الأثري إلى حديث عن الأعمدة الحديدية، والرافعات، والجرافات، أكثر مما هو حديث عن التاريخ نفسه…
سجلماسة، لمن لا يعرف، ليست اسماً عابراً على لافتة طريق، ولا مجرد أطلال قديمة يمكن تعويضها بمحطة طرقية إذا اقتضت الضرورة، سجلماسة مدينة كانت في يوم من الايام حاضرة ، ومحطة للقوافل، وجسراً بين المغرب وعمقه الإفريقي، وفضاءً للتجارة والعلم والعمران، كانت مدينة حين كانت مدن كثيرة ما تزال تبحث عن اسم، كما جاء في كتب الرحالة والمؤرخين…
لكن يبدو أن بعض من يدبرون شؤون الترميم عندنا لهم رأي آخر، فبدل أن يدخلوا إلى الموقع بخفة الطبيب الجراح، ودقة الخبير، وتواضع من يعرف قيمة ما بين يديه، دخلوه بمنطق واضح: إذا تحرك شيء… ضعوا فوقه سقفاً، وإذا مال جدار… اسندوه بحديد او خشب ، وإذا اعترض التاريخ… استدعوا الجرافة…
الصور المتداولة من الورش كافية لأن تجعل المواطن يحتار: هل نحن أمام مشروع لصيانة موقع أثري، أم أمام انطلاق أشغال مركب صناعي جديد؟ أعمدة ضخمة، هياكل معدنية، معدات ثقيلة، تدعيمات خشبية سريعة، ومشهد عام يقول لك إن السرعة مطلوبة، أما الجمال فليعد لاحقاً إن وجد طريقه…
سكان المدينة حين سمعوا بالأرقام المتداولة حول كلفة المشروع، والتي تتحدث عن مليارات السنتيمات، تخيلوا عملاً استثنائياً يليق بمكان استثنائي، تخيلوا خبراء في الترميم، وتقنيات دقيقة، ومواد منسجمة مع روح الموقع، ومشروعاً يجعل الزائر يشعر أن الدولة تحترم تاريخه ومكانته، لكن ما ظهر للعيان هو أن الحديد حضر باكراً، بينما غاب الذوق في أول منعرج…
لا أحد يعترض على حماية الآثار من التعرية أو الانهيار أو تقلبات المناخ، فذلك واجب، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل حماية التاريخ تعني تشويه منظره؟ وهل إنقاذ الذاكرة يمر عبر تحويلها إلى معرض للأنابيب المعدنية؟ وهل عجزت كل مدارس الهندسة في العالم عن تقديم حل، حتى نصل إلى هذه الوصفة الفولاذية التي تبدأ بالإسمنت ولا تنتهي إلا بالفاتورة؟
الترميم الحقيقي لا يقاس باستعراض العضلات الهندسية، وانما بتمارين في احترام تاريخ المكان ومكانته وخصوصيته، أن تضيف من دون أن تبتلع الأصل، أن تحمي من دون أن تهيمن، أن تترك الزائر يرى سجلماسة، لا أن يرى ما أضيف فوق سجلماسة، لأن الفرق كبير بين من يضع يده لحماية الأثر، ومن يطمس معالم الأثر…
ثم إن المال العام، هو الآخر، له ذاكرة، وحين تُصرف أرقام كبيرة على مشاريع من هذا النوع، فمن حق الناس أن يتساءلوا: ما الدراسات التي أُنجزت؟ من هم الخبراء الذين أشرفوا؟ ما المعايير المعتمدة؟ ولماذا تبدو النتيجة أقرب إلى منطق البناء السريع منها إلى فلسفة الصيانة الأثرية؟ فالمواطن قد لا يكون مهندساً معماريا، لكنه يعرف جيداً الفرق بين عمل متقن وعمل يقول صاحبه: “قضي حاجة”…
المشكلة الأكبر أن مثل هذه المشاريع لا تسيء فقط إلى موقع واحد، بل إلى فكرة صون التراث كلها،لأنها ترسل رسالة خطيرة مفادها أن الماضي مجرد ملف تقني، وأن الذاكرة يمكن تدبيرها بنفس الطريقة التي يُعبد بها شارع أو يُبنى بها مستودع، والحال أن الأمم التي تحترم نفسها تعرف أن الآثار ليست حجارة صامتة، بل شهادة حية على من كانوا هنا قبلنا وخلدو أسمائهم في كتب التاريخ..
سجلماسة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الحديد، لكنها تحتاج إلى قليل من الحكمة، لا تحتاج إلى جرافة، بل إلى بصيرة، لا تحتاج إلى من يقوم بتسقيفها بالحديد والاسمنت ، بل إلى من يفهم أن بعض الأماكن لا تُرمم بالأدوات فقط، بل بالوعي أيضاً…
أما إذا استمر هذا المنطق، فلا تستغربوا إن أصبح الزائر بعد سنوات يسأل المرشد السياحي: أين الموقع الأثري لسجلماسة؟ فيجيبه هذا الأخير، وهو يشير إلى الأعمدة البيضاء: كان هنا… قبل مشروع التثمين…
المؤسف أن بعض المسؤولين لا يزورون التاريخ إلا وهم يحملون الإسمنت معهم، ولو كان الماضي يتكلم، لطلب منهم بكل أدب أن يخرجوا من الموقع… ويتركوه وشأنه…
التراث ليس مشروع صفقة، ولا مناسبة لالتقاط الصور بجانب الخوذات الصفراء، التراث مسؤولية. وسجلماسة أكبر من أن تُختصر في سقيفة معدنية وبعض الأعمدة السميكة…