ذ. اسليماني مولاي عبد الله يكتب… “فعل الأمير”و عقد الشغل

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
ليست كل نهاية لعقد الشغل فصلاً تعسفياً، كما أن إغلاق المقاولة أو توقف نشاطها لا يعفي المشغل، بمجرد وقوعه، من المسؤولية تجاه أجرائه. وبين الحالتين توجد منطقة قانونية دقيقة حاول القضاء المغربي ضبط حدودها من خلال ما يعرف في الفقه والاجتهاد القضائي بـ*«نظرية فعل الأمير»*، وهي النظرية التي برزت بوضوح في قرار مهم لمحكمة النقض المغربية يتعلق بتوقف مقاولة عن إنتاج الأكياس البلاستيكية بعد تدخل المشرع لمنع هذا النشاط.
ويتعلق الأمر بقرار محكمة النقض عدد 285، الصادر بتاريخ 27 مارس 2018، في الملف الاجتماعي عدد 3151/5/1/2017، وهو القرار الذي أرفقت نسخته المنشورة في نشرة قرارات محكمة النقض – الغرفة الاجتماعية – العدد 37، والذي اعتبر أن توقف المشغلة عن نشاطها، متى كان تنفيذاً لإرادة المشرع وخارجاً عن إرادتها، يمكن أن يندرج ضمن تطبيق نظرية فعل الأمير. كما أن نسخة القرار متاحة ضمن قواعد نشر الاجتهاد القضائي.
من قانون بيئي إلى نزاع شغلي
تعود خلفية القضية إلى صدور القانون رقم 77.15 القاضي بمنع صنع بعض الأكياس من مادة البلاستيك واستيرادها وتصديرها وحيازتها وتسويقها واستعمالها. وقد جعل المشرع المنع نافذاً ابتداء من فاتح يوليوز 2016 بالنسبة إلى الأكياس الداخلة في نطاقه، مع استثناء أنواع محددة وفق الشروط الواردة في القانون.
كان لهذا التحول التشريعي أثر مباشر على عدد من الوحدات الصناعية التي كان نشاطها الاقتصادي قائماً على إنتاج الأكياس التي شملها المنع. وهنا انتقل الإشكال من المجال البيئي والصناعي إلى مجال آخر شديد الحساسية: ما مصير عقود شغل الأجراء عندما يصبح النشاط الذي يزاوله مشغلهم ممنوعاً بموجب القانون؟
الأجير في القضية المعروضة على القضاء اعتبر أن إنهاء علاقته الشغلية غير مشروع وطالب بالتعويضات المترتبة عن الفصل. وقد قضت المحكمة الابتدائية له ببعض التعويضات، قبل أن يصل النزاع، بعد مرحلة الاستئناف، إلى محكمة النقض.
محكمة النقض: المشغل لم ينه العقد بإرادته المنفردة
النقطة الجوهرية في القرار تتمثل في أن محكمة النقض انطلقت من أن توقف إنتاج الأكياس البلاستيكية موضوع النزاع لم يكن قراراً اقتصادياً اتخذته المقاولة بمحض إرادتها، وإنما كان امتثالاً لتدخل تشريعي ألزمها بالتوقف عن ذلك الإنتاج.
واعتبرت المحكمة، في النازلة المعروضة عليها، أن هذا الوضع يدخل في نطاق نظرية فعل الأمير، بالنظر إلى كون الإجراء صادراً عن جهة خارج طرفي عقد الشغل، وأن أثره انعكس على الوضع الاقتصادي للمقاولة، وأن إنهاء العلاقة لم يكن ناتجاً عن إرادة منفردة للمشغل. وانتهت محكمة النقض إلى رفض طلب النقض وتأييد النتيجة التي استبعدت التعويض عن الضرر المرتبط بالفصل في ظروف تلك القضية.
وهنا تكمن أهمية القرار: فهو لم يتعامل مع علاقة الشغل باعتبارها معزولة عن التحولات التشريعية التي قد تصيب النشاط الاقتصادي في أساسه، بل أخذ بعين الاعتبار السبب الخارجي الذي فرض توقف النشاط.
هل «فعل الأمير» منصوص عليه حرفياً في مدونة الشغل؟
يحتاج الأمر إلى تدقيق. مدونة الشغل لا تضع نظرية مستقلة تحمل اسم «نظرية فعل الأمير». وإنما يستند النقاش أساساً إلى القواعد العامة للقوة القاهرة وإلى الاجتهاد القضائي.
فالفصل 269 من قانون الالتزامات والعقود يعرف القوة القاهرة باعتبارها حدثاً لا يستطيع الإنسان توقعه ويجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً، ويورد ضمن أمثلتها «فعل السلطة». ومن هنا تطور استعمال تعبير «فعل الأمير» في الفقه والاجتهاد للدلالة، بحسب السياق، على تدخل السلطة العامة الذي ينعكس مباشرة على تنفيذ الالتزام.
وهذه الدقة مهمة، لأن القول إن كل قرار صادر عن الإدارة يشكل تلقائياً «فعل أمير» غير صحيح. فالواقعة يجب أن تدرس في ظروفها الخاصة، وعلاقة القرار بالنشاط، ومدى مساهمة المشغل في وقوع الوضع، وإمكانية استمرار تنفيذ الالتزام من عدمها.
القرار الإداري لا يعطي المشغل شيكاً على بياض
أهمية القرار لا تعني أنه يمكن لأي مقاولة تعاني من صعوبات مالية أن تغلق أبوابها ثم تتمسك بنظرية فعل الأمير لتفادي حقوق الأجراء.
هناك فارق جوهري بين الاستحالة القانونية أو الواقعية المفروضة من الخارج وبين مجرد انخفاض رقم المعاملات، أو ارتفاع كلفة المواد الأولية، أو فقدان بعض الزبناء، أو تراجع الأرباح.
الصعوبات الاقتصادية لها نظامها القانوني، والتسريح لأسباب اقتصادية أو تكنولوجية أو هيكلية يخضع في مدونة الشغل لمسطرة خاصة، لا سيما المقتضيات المنظمة لهذا النوع من التسريح في المواد 66 وما يليها. لذلك لا يجوز من الناحية القانونية الخلط بين المقاولة التي اختارت إعادة هيكلة نشاطها لأسباب اقتصادية وبين المقاولة التي أصبح نشاط معين تمارسه ممنوعاً بقوة القانون.
بل إن الدفع بفعل السلطة أو القوة القاهرة يفترض، من حيث الأصل، ألا يكون المشغل نفسه قد تسبب بخطئه في الوضع الذي أدى إلى الإغلاق؛ لأن من تسبب في السبب لا يمكنه بسهولة الاحتجاج به للتحلل من التزاماته.
وماذا لو كان الإغلاق مؤقتاً فقط؟
هذه نقطة أخرى أساسية. فالتوقف عن العمل لا يعني دائماً انتهاء عقد الشغل.
المادة 32 من مدونة الشغل، بصيغتها المعدلة بالقانون رقم 02.21، تنص صراحة على أن عقد الشغل يتوقف مؤقتاً أثناء الإغلاق القانوني للمقاولة بصفة مؤقتة. أي أن المشرع يميز بين الإغلاق المؤقت الذي تبقى معه العلاقة الشغلية قائمة، وبين الحالات التي يصبح فيها استمرار النشاط أو تنفيذ العقد غير ممكن بصورة نهائية. وقد نُشر تعديل المادة 32 في الجريدة الرسمية سنة 2021.
وبالتالي، لا يصح أن يتحول مجرد قرار مؤقت بالإغلاق إلى ذريعة لإنهاء عقود الشغل بصورة نهائية. العبرة بطبيعة القرار، ومدته، وآثاره الفعلية على استمرار نشاط المقاولة.
قرار 2018 يطرح سؤال التوازن بين حماية الأجير وحماية المقاولة
هذه القضية تكشف أحد أصعب الأسئلة في قانون الشغل: من يتحمل الكلفة الاجتماعية لقرار تشريعي مشروع يخدم المصلحة العامة ولكنه يؤدي في الوقت نفسه إلى توقف نشاط اقتصادي وفقدان مناصب شغل؟
فالأجير لا يد له في القانون الجديد، وقد يفقد مصدر رزقه دون أن يرتكب أي خطأ. وفي المقابل، قد يجد المشغل نفسه أمام نشاط أصبح محظوراً قانوناً ولم يعد مسموحاً له بمواصلته.
قرار محكمة النقض لسنة 2018 اختار، في وقائع النازلة المعروضة عليه، عدم تحميل المشغل تبعات إنهاء لم يكن ناتجاً عن إرادته المنفردة، وربط الوضع بتدخل المشرع ونظرية فعل الأمير.
لكن هذا الاجتهاد لا ينبغي قراءته باعتباره قاعدة آلية تعفي كل مشغل بمجرد صدور قانون أو قرار إداري. القاضي يظل مطالباً بفحص العلاقة السببية: هل القرار هو فعلاً الذي جعل استمرار النشاط غير ممكن؟ هل كان المشغل ممتثلاً للقانون؟ هل توجد أنشطة بديلة تسمح باستمرار المقاولة؟ هل الإغلاق نهائي أم مؤقت؟ وهل السبب الحقيقي للفصل هو القرار العام أم وضع اقتصادي سابق للمقاولة؟
القضاء أمام تحولات اقتصادية متسارعة
أهمية نظرية فعل الأمير اليوم تتجاوز قضية الأكياس البلاستيكية. فالاقتصاد الحديث يعيش تحولات تشريعية متسارعة مرتبطة بالبيئة والسلامة والصحة والرقمنة والتنظيم الاقتصادي. وقد يؤدي قانون جديد في المستقبل إلى منع نشاط، أو فرض شروط تجعل استمرار صورة معينة منه غير ممكنة.
وهنا تظهر ضرورة التمييز بين حق الدولة في التشريع لحماية المصلحة العامة، وحق المقاولة في الأمن القانوني، وحق الأجير في الاستقرار والحماية الاجتماعية.
فلا ينبغي تحميل الأجير وحده نتائج التحولات التشريعية، كما لا يمكن إلزام المقاولة بمواصلة نشاط أصبح القانون يمنعه. والحل المتوازن يتطلب، إلى جانب القضاء، سياسات عمومية للمواكبة وإعادة التأهيل المهني وإعادة توجيه المقاولات المتضررة وحماية الأجراء خلال فترات الانتقال.
إن قرار محكمة النقض عدد 285 بتاريخ 27 مارس 2018 يظل، في هذا السياق، قراراً مهماً لأنه أبرز أن إرادة المشغل ليست دائماً هي التي تقف وراء انتهاء علاقة الشغل، وأن تدخل المشرع نفسه قد يغيّر بصورة جذرية الأساس القانوني والاقتصادي الذي أقيم عليه العقد.
ويبقى الدرس الأهم أن «فعل الأمير» ليس باباً مفتوحاً للتخلص من حقوق الأجراء، ولا هو مرادف لكل صعوبة اقتصادية، وإنما تكييف قانوني استثنائي يحتاج إلى إثبات دقيق للواقعة وسببها وآثارها. وفي النهاية، للقضاء سلطة تقدير ما إذا كان القرار العام قد جعل استمرار العلاقة الشغلية مستحيلاً بالفعل، أم أن المشغل يحاول فقط إلباس قرار اقتصادي داخلي لباس القوة القاهرة.



