منبر الجهة8

ذ. اسليماني مولاي عبد الله يكتب: القانون التنظيمي والقانون العادي في المغرب.. أين يكمن الفرق ولماذا يهم المواطن؟

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

كثيراً ما نسمع في النقاش السياسي والقانوني المغربي عبارات من قبيل: «مشروع قانون تنظيمي»، و«مشروع قانون»، و«القانون التنظيمي للجهات» أو «القانون المتعلق بكذا»، دون أن يكون الفرق بين القانون التنظيمي والقانون العادي واضحاً لدى جزء من الرأي العام. وقد يبدو الأمر لأول وهلة مجرد اختلاف في التسمية، بينما يتعلق في الحقيقة باختلاف مهم في الوظيفة والموضوع ومسطرة الإقرار والرقابة الدستورية.

فالدستور المغربي لسنة 2011 لم يترك للمشرع حرية اختيار تسمية أي نص بـ«القانون التنظيمي»، وإنما حدد بنفسه المجالات التي يتعين تنظيمها بهذا النوع من القوانين. ولذلك يأتي القانون التنظيمي أساساً لتفصيل بعض المقتضيات الدستورية ووضع القواعد اللازمة لتطبيقها. ومن أمثلة ذلك القوانين التنظيمية المتعلقة بمجلس النواب ومجلس المستشارين، والجماعات الترابية، والمحكمة الدستورية، وتنظيم وتسيير أشغال الحكومة وغيرها من المؤسسات والمجالات التي أحال الدستور صراحة تنظيمها إلى قانون تنظيمي.

أما القانون العادي فهو الأداة التشريعية التي يستعملها البرلمان لتنظيم المجالات الداخلة في نطاق القانون كما حددها الدستور، من قبيل عدد كبير من القواعد المتعلقة بالمعاملات والشغل والمقاولات والمهن والحقوق والالتزامات والضرائب والمساطر وغيرها. فالبرلمان يمارس السلطة التشريعية ويصوت على القوانين وفق الاختصاصات المحددة دستورياً.

غير أن الفارق الحقيقي يظهر بصورة أوضح عند الانتقال إلى مسطرة الإقرار.

فالفصل 85 من الدستور يفرض على القوانين التنظيمية مسطرة أكثر تشدداً من تلك المطبقة على القوانين العادية. إذ لا يجوز لمجلس النواب التداول في مشروع أو مقترح قانون تنظيمي إلا بعد مرور عشرة أيام على إيداعه لدى مكتبه، كما تحدد قواعد خاصة للأغلبية المطلوبة للمصادقة النهائية عليه، مع مقتضيات إضافية عندما يتعلق الأمر بمجلس المستشارين أو بالجماعات الترابية.

لكن الضمانة الأبرز تتمثل في أن القانون التنظيمي لا يمكن إصدار الأمر بتنفيذه إلا بعد أن تصرح المحكمة الدستورية بمطابقته للدستور. وهذا يعني أن الرقابة الدستورية عليه رقابة قبلية وإلزامية، وليس هناك اختيار في إحالته على المحكمة الدستورية بعد مصادقة البرلمان عليه.

وهنا يظهر اختلاف أساسي آخر مع القانون العادي.

فالقانون العادي لا يحال وجوباً، في جميع الحالات، إلى المحكمة الدستورية قبل صدوره. لكن الدستور يسمح بإحالته إليها قبل إصدار الأمر بتنفيذه من طرف الملك، أو رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو خُمس أعضاء مجلس النواب، أو أربعين عضواً من أعضاء مجلس المستشارين. ولذلك تكون الرقابة القبلية على القانون العادي اختيارية من حيث الأصل، بخلاف القانون التنظيمي الذي تخضع رقابته القبلية للمحكمة الدستورية للإلزام.

ومن الأخطاء الشائعة اختصار المسألة في القول إن «القانون التنظيمي أقوى دائماً من القانون العادي» دون توضيح. فالأدق قانونياً أن للقانون التنظيمي مكانة ووظيفة خاصة مرتبطة مباشرة بالدستور، وأن القانون العادي لا يستطيع أن يتدخل بصورة مخالفة للدستور في مجال خصه هذا الأخير بقانون تنظيمي. فالقضية ليست مجرد منافسة بين نصين لمعرفة أيهما «أقوى»، بل تتعلق بتوزيع دستوري للاختصاصات التشريعية وضمان احترام المجالات التي خصها الدستور بمسطرة تنظيمية معينة.

ويمكن تبسيط الأمر بمثال: عندما ينص الدستور على أن كيفية تنظيم مؤسسة معينة أو شروط اشتغالها «يحددها قانون تنظيمي»، لا يستطيع المشرع تجاوز هذه الإحالة واستبدال القانون التنظيمي بقانون عادي، لأن شكل النص ومضمونه ومسطرة اعتماده في هذه الحالة أصبحت محددة بمقتضى الدستور نفسه.

وهذا التمييز ليس نقاشاً نظرياً خاصاً بالحقوقيين، بل هو أحد ضمانات دولة القانون. فكلما تعلق الأمر بمؤسسات دستورية أو بقواعد أساسية لتنظيم ممارسة السلطة، شدد الدستور شروط التشريع وأخضع النصوص التنظيمية لرقابة دستورية إلزامية قبل دخولها حيز التنفيذ.

ومن هنا يمكن القول باختصار: الدستور يضع القواعد العليا، والقانون التنظيمي يفصل ما أحاله إليه الدستور، والقانون العادي ينظم المجالات التشريعية الأخرى، بينما تتولى النصوص التنظيمية من مراسيم وقرارات تنفيذ القوانين في نطاق اختصاص السلطة التنفيذية.

وفهم هذا التدرج يساعد المواطن على قراءة النقاشات التشريعية بصورة أدق، لأن الاختلاف بين «قانون تنظيمي» و«قانون عادي» ليس اختلافاً في الكلمات، بل اختلاف في الأساس الدستوري والمجال والمسطرة والرقابة والآثار القانونية. وهنا تحديداً تكمن أهمية المصطلح؛ ففي دولة المؤسسات، حتى طريقة صناعة القانون يحكمها القانون.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى