
في وقت تعيش فيه جهة درعة تافيلالت على إيقاع الهشاشة الاجتماعية وتفاقم الأعطاب التنموية، يواصل مجلس الجهة نهج سياسة تثير الكثير من السخط، عنوانها الأبرز اختلال ترتيب الأولويات، حيث يتم ضخ اعتمادات مهمة في قطاعات هامشية، لاستهدافها قاعدة أكبر من الأصوات المحتملة في الانتخابات المقبلة، بينما تترك ملفات حيوية مرتبطة بالصحة والتعليم والماء الصالح للشرب والبنيات الأساسية والتشغيل في وضعية جمود شبه تام، وذلك بمختلف أقاليم الجهة.
غير أن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في سوء الاختيارات، بل في طريقة تدبير المال العام والشراكات، التي تحولت إلى مجال مفتوح للاختلالات دون محاسبة فعلية، في غياب رؤية واضحة أو آليات صارمة للتتبع والتقييم، حيث يبرز في هذا السياق ملف الشراكة مع شركة الخطوط الملكية المغربية، الذي أعيد إدراجه في جدول أعمال المجلس تحت ضغط الأغلبية، رغم تحفظ رئاسة المجلس، ورفضها لهذه الخطوة رغم قانونيتها.
هذه الاتفاقية، التي روج لها باعتبارها مدخلا لفك العزلة الجوية عن الجهة وإنعاشها اقتصاديا وسياحيا، تحولت إلى نموذج صارخ لسوء التدبير، بعدما تواترت المعطيات حول عدم وفاء الشركة بالتزاماتها لسنوات، في مقابل استمرار استفادتها من دعم مالي كبير من ميزانية الجهة، دون أن يقابل ذلك أي أثر ملموس على أرض الواقع، و الأخطر من ذلك أن هذه الوضعية استمرت في صمت مؤسساتي مريب، دون تفعيل بنود الجزاءات أو مراجعة الاتفاقية، وكأن المال العام يصرف بمنطق الريع السياسي لا بمنطق النجاعة والنتائج.
و في سياق يؤكد أن الأمر لا يتعلق بحالة معزولة، بل بنمط تدبير متكرر، حيث كشفت تقارير الافتحاص المنجزة من طرف المفتشية العامة لوزارة الداخلية والمفتشية العامة لوزارة المالية عن أعطاب عميقة في طريقة تدبير الاتفاقيات داخل مجلس جهة درعة تافيلالت، وسجلت هذه التقارير أن المجلس تحول فعليا إلى مجرد قناة لصرف الاعتمادات لفائدة جماعات ومؤسسات أخرى، دون أن يضطلع بدوره في مراقبة الأشغال أو تتبع تنفيذ المشاريع أو التأكد من احترام الالتزامات التعاقدية.
كما وجهت المفتشيتان ملاحظات شديدة اللهجة للمجلس، طالبتا فيها بإحداث لجن دائمة للتتبع، وعقد اجتماعات دورية خاصة بكل مشروع على حدة، بعدما تبين أن عددا من الاتفاقيات تُبرم دون أي تصور حقيقي للتنفيذ أو المحاسبة، ولم تعقد أية اجتماعات للتتبع من طرف مجلس جهة درعة تافيلالت باعتباره صاحب المشاريع (حوالي أزيد من 90 اجتماع كان من المفترض عقده و تحرير محاضر بذلك، ولم يحدث أي من هذا).
وأمام هذا الواقع، يبرز سؤال المسؤولية السياسية بحدة: من يتحمل مسؤولية تبديد الزمن التنموي للجهة؟ ومن غطّى على اختلالات استمرت لسنوات دون مساءلة؟ ولماذا لم يُفتح هذا الملف داخل دورات المجلس إلا بعد أن استفحل الضرر؟
في المقابل، تتعمق الهوة بين الخطاب الرسمي وواقع الساكنة، التي لا تزال تعاني من العطش والعزلة وانعدام الخدمات الأساسية، بينما تصرف الملايين في مشاريع لا تعكس انتظارات المواطنين ولا تحسن شروط عيشهم، حيث يرى متتبعون أن الجمع بين سوء ترتيب الأولويات، وضعف التتبع، وغياب المحاسبة، يشكل وصفة مثالية لفشل السياسات الجهوية، ويهدد ما تبقى من ثقة المواطنين في المؤسسة المنتخبة، ويحول الجهة إلى مجال لتجريب سياسات بلا أثر.
اليوم، لم يعد النقاش حول هذه الملفات ترفا سياسيا، بل ضرورة ديمقراطية. فالتنمية لا تقوم على الشعارات ولا على الاتفاقيات الشكلية، بل على الحكامة، وربط التمويل بالنتائج، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإذا كان من درس يمكن استخلاصه من هذا الوضع، فهو أن الجهة في حاجة إلى مراجعة جذرية لمسارها التدبيري، قبل أن تتحول أعطاب الحكامة إلى أزمات بنيوية يصعب احتواؤها، وقبل أن يفقد المواطن آخر ما تبقى من ثقته في المؤسسات المنتخبة.






