يوسف الكوش يكتب: مواطن من درعة تافيلالت مع وقف التنفيذ

من غياب الطريق السيار والقطار، إلى هشاشة الصحة والتعليم وارتفاع البطالة وغياب الاستثمار الصناعي.. هل تحولت درعة تافيلالت إلى جهة تنتج الانتظارات أكثر مما تنتج فرص التنمية؟
في جهة درعة تافيلالت، لا يبدو أن سؤال التنمية مجرد شعار يرفع في المناسبات أو عنوانا لبرامج انتخابية تتجدد كلما اقترب موعد الاستحقاقات، بل أصبح سؤالا يوميا يفرض نفسه على المواطن في الطريق، وفي المستشفى، وفي المدرسة، وفي سوق الشغل، وحتى أمام خيار الهجرة بحثا عن مستقبل يبدو في نظر كثير من الشباب بعيدا عن مدن وقرى الجهة.
المواطن هنا يجد نفسه أمام مفارقة صعبة: جهة تتوفر على مؤهلات طبيعية وثقافية وسياحية وفلاحية هائلة، وعلى موقع جغرافي استراتيجي وثروات بشرية مهمة، لكنها في المقابل ما تزال تعاني من خصاص واضح في عدد من البنيات الأساسية والخدمات العمومية وفرص الشغل والاستثمار.
وبين الوعود التي تتكرر، والمشاريع التي تعلن، والبرامج التي تقدم باعتبارها مدخلا لإقلاع تنموي طال انتظاره، يعيش جزء كبير من أبناء درعة تافيلالت إحساسا متزايدا بأنهم مواطنون “مع وقف التنفيذ”؛ لهم الحق في التنمية نظريا، لكنهم ينتظرون ترجمة هذا الحق إلى واقع ملموس.
جهة بلا طريق سيار.. وبلا قطار
من أكثر الأسئلة التي تطرح نفسها بإلحاح داخل درعة تافيلالت، سؤال الربط السككي والطرقي.
ففي الوقت الذي أصبحت فيه شبكة الطرق السيارة والسكك الحديدية رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية وجذب الاستثمار وتحسين تنافسية المجالات الترابية، ما تزال الجهة خارج شبكة الطرق السيارة، كما لا تتوفر على خط للقطار يربط مدنها بباقي جهات المملكة.
ولا يتعلق الأمر هنا برفاهية أو مطلب ثانوي يمكن تأجيله إلى أجل غير مسمى، بل ببنية تحتية ترتبط مباشرة بمستقبل المنطقة.
فغياب الطريق السيار لا يعني فقط طول المسافات، وإنما يعني أيضا ارتفاع كلفة النقل، وصعوبة تنقل الأشخاص والبضائع، وإضعاف جاذبية الجهة أمام المستثمرين، وتوسيع الفجوة بين درعة تافيلالت والمراكز الاقتصادية الكبرى.
أما غياب القطار، فيزيد من تعقيد معادلة التنقل، خصوصا بالنسبة للطلبة والمرضى والموظفين والعائلات التي تضطر إلى قطع مئات الكيلومترات للوصول إلى مدن تتوفر على خدمات أساسية غير متاحة محلياً.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: إلى متى ستظل جهة كاملة خارج الشبكة السككية، وخارج منظومة الطرق السيارة، رغم الحديث المتواصل عن العدالة المجالية وتقليص الفوارق الترابية؟
حين يصبح البحر أقرب إلى حلم الشباب
من أقسى مظاهر الاختلال الاجتماعي والاقتصادي التي تعكس واقع الجهة، تنامي رغبة عدد من الشباب في الهجرة، بل ووصول بعضهم إلى التفكير في الهجرة غير النظامية والمغامرة بحياتهم عبر ما يعرف بـ”قوارب الموت”.
الشاب الذي يفكر في ركوب البحر لا يبحث بالضرورة عن حياة فاخرة، وإنما عن فرصة عمل، وأفق مهني، وكرامة اجتماعية، ومستقبل يشعر بأنه قادر على بنائه.
وحين يصبح البحر، بكل مخاطره، خيارا مطروحا أمام شباب الجهة، فإن السؤال لا ينبغي أن يوجه فقط إلى الشاب الذي اختار الهجرة، بل أيضا إلى السياسات العمومية التي عجزت عن توفير البدائل الكافية أمامه.
فالهجرة في هذه الحالة ليست مجرد قضية أمنية أو اجتماعية، وإنما هي أيضا مؤشر على أزمة ثقة في المستقبل.
الصحة.. معاناة تتجاوز أبواب المستشفى
ولا تبدو المنظومة الصحية في درعة تافيلالت بمنأى عن هذه الإشكالات.
فالمواطن في عدد من مناطق الجهة ما يزال يواجه صعوبات مرتبطة بالولوج إلى الخدمات الصحية، سواء تعلق الأمر بنقص بعض التخصصات الطبية، أو محدودية التجهيزات، أو الحاجة إلى التنقل بين الأقاليم والمدن من أجل الحصول على خدمات علاجية متخصصة.
وتزداد المعاناة بالنسبة لسكان المناطق الجبلية والقروية والنائية، حيث يمكن أن يتحول بعد المؤسسة الصحية أو غياب وسيلة نقل مناسبة إلى عامل حاسم في تأخر العلاج.
ولا يمكن بناء تنمية حقيقية بجهة شاسعة مثل درعة تافيلالت إذا ظل المواطن مضطرا إلى مغادرة إقليمه من أجل موعد طبي أو فحص متخصص أو عملية جراحية.
الصحة ليست امتيازا، بل حق أساسي، وأي اختلال فيها ينعكس مباشرة على جودة حياة المواطن وعلى إحساسه بالإنصاف المجالي.
جامعة مستقلة.. مطلب يتجدد
ويطرح قطاع التعليم العالي بدوره سؤالا كبيرا حول مستقبل الجهة.
فغياب جامعة مستقلة بالمعنى المؤسساتي الكامل يجعل الطلبة وأسرهم أمام تحديات إضافية، خصوصا في ظل الحاجة إلى توسيع العرض الجامعي، وخلق تخصصات جديدة تستجيب لحاجيات سوق الشغل، وربط التكوين بخصوصيات الاقتصاد المحلي والجهوي.
الطالب المنحدر من درعة تافيلالت لا يحتاج فقط إلى مقعد جامعي، وإنما يحتاج إلى منظومة متكاملة تتيح له التكوين والبحث العلمي والتأطير والابتكار داخل جهته.
فالجامعة ليست بناية فقط، بل مؤسسة لإنتاج المعرفة والكفاءات، ومحرك للاستثمار والابتكار، ورافعة لتحويل خصوصيات الجهة إلى مشاريع اقتصادية وتنموية.
التعليم.. الأرقام تضع الجميع أمام المرآة
وإذا كانت المدرسة هي المدخل الأساسي لبناء المستقبل، فإن المعطيات والمؤشرات الأخيرة المرتبطة بالمنظومة التعليمية تفرض بدورها الكثير من الأسئلة حول جودة التعليم والنتائج المحققة.
فلا يكفي أن يتم بناء المؤسسات أو توسيع العرض المدرسي، إذا ظلت مؤشرات الهدر المدرسي، والتعثر، وضعف بعض النتائج التعليمية، وصعوبات الولوج إلى بعض الخدمات، حاضرة في عدد من المناطق.
والأخطر أن استمرار هذه الاختلالات يعني إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية والمجالية؛ فالطفل الذي ينشأ في بيئة تعليمية هشة تكون حظوظه في الولوج إلى الجامعة وسوق الشغل أقل من غيره.
وهنا لا بد من الانتقال من منطق تدبير الأرقام إلى منطق تدبير النتائج، ومن الإعلان عن البرامج إلى قياس أثرها الحقيقي على المتعلم والأسرة والمجتمع.
المجالس المنتخبة.. مسؤولية سياسية لا تعفيها الأعذار
في المقابل، لا يمكن تحميل الدولة وحدها مسؤولية كل الاختلالات، لأن جزءا من المسؤولية يقع أيضا على عاتق المجالس المنتخبة التي تدير الشأن المحلي والجهوي.
فالمواطن انتخب مجالس جماعية وإقليمية وجهوية وبرلمانيين على أساس تقديم حلول والدفاع عن مصالح المناطق التي يمثلونها.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل استطاعت هذه المجالس فعلا أن تقدم إجابات بحجم الانتظارات؟
فالمواطن يريد طرقا جيدة، ونقلا فعالا، وخدمات صحية أفضل، ومدارس ذات جودة، وفرصاً للشغل، واستثمارات، ومناطق صناعية، ومشاريع قادرة على خلق الثروة.
أما الخطابات العامة والبيانات والتصريحات، فلم تعد كافية لإقناع مواطن يرى مشاكله نفسها تتكرر عاما بعد عام.
مجلس الجهة.. “ولله الحمد” وحدها لا تكفي
ومن بين أكثر الملفات إثارة للنقاش، أداء مجلس جهة درعة تافيلالت.
فالمجلس يتحرك ويعلن عن برامج ومشاريع واتفاقيات، وقد يعدد حصيلة منجزاته، لكن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه هو: ما حجم الأثر الذي لمسَه المواطن فعليا؟
فالمواطن لا يقيس أداء المؤسسة بعدد الاجتماعات أو الاتفاقيات أو البلاغات، وإنما بما تغير على أرض الواقع.
هل تحسنت الطرق؟
هل تقلصت البطالة؟
هل ارتفع عدد الاستثمارات؟
هل تحسنت الخدمات الصحية؟
هل أصبح التعليم أكثر جودة؟
هل تم خلق فرص حقيقية أمام الشباب؟
هل أصبحت الجهة أكثر ارتباطا بمراكز الاقتصاد الوطني؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تقاس بها الحصيلة.
أما الاكتفاء بعبارات من قبيل “ولله الحمد” في مواجهة كل انتقاد، فلا يمكن أن يكون بديلا عن تقديم أرقام دقيقة، ومؤشرات واضحة، وحصيلة قابلة للقياس والمحاسبة.
برلمانيون.. أين هو الترافع؟
ويبقى الدور البرلماني بدوره موضع مساءلة.
فالجهة تحتاج إلى ترافع قوي ومستمر داخل البرلمان، ليس فقط خلال مناقشة الميزانيات أو طرح الأسئلة، وإنما من خلال تحويل المطالب الترابية إلى ملفات وطنية حقيقية.
الطريق السيار، القطار، المستشفى الجامعي، الاستثمار، التشغيل، التعليم، الماء، السياحة، الفلاحة، المناطق الصناعية، وربط الجهة بالمراكز الاقتصادية.. كلها ملفات تحتاج إلى ترافع جماعي ومنظم.
لكن المتابع للشأن المحلي يطرح سؤالا مشروعا: أين هو الترافع البرلماني الذي يوازي حجم الخصاص والانتظارات؟
والأكثر إثارة للجدل أن الوجوه نفسها تعود إلى الواجهة مع كل استحقاق انتخابي، بينما تتجدد المشاكل نفسها لدى المواطن.
ومع اقتراب استحقاقات شتنبر المقبل، يجد الناخب نفسه أمام لحظة اختبار حقيقية: هل سيعيد إنتاج الاختيارات نفسها، أم سيطالب بوجوه وبرامج وأولويات مختلفة؟
البطالة.. القنبلة الاجتماعية الصامتة
ربما يبقى ملف التشغيل من أخطر الملفات التي تواجه مستقبل الجهة.
فغياب فرص العمل، خصوصا أمام الشباب وحاملي الشهادات، يجعل العديد منهم يعيشون سنوات من الانتظار قبل أن يجدوا فرصة مناسبة، فيما يضطر آخرون إلى مغادرة مدنهم وقراهم نحو الدار البيضاء ومراكش وأكادير وطنجة وغيرها من المدن بحثا عن العمل.
والبطالة ليست مجرد رقم في تقرير إحصائي.
إنها شاب يؤجل مشروع الزواج، وخريج ينتظر سنوات، وأسرة تتحمل أعباء إضافية، وشاب يفكر في الهجرة، وآخر يشتغل في أعمال موسمية أو غير مستقرة.
وإذا كانت معدلات البطالة ترتفع بشكل مقلق، فإن ذلك يعني أن السياسات الاقتصادية المعتمدة تحتاج إلى مراجعة عميقة، خصوصا في ما يتعلق بجذب الاستثمار وخلق سلاسل إنتاج محلية قادرة على توفير وظائف مستدامة.
أين هي المصانع والمعامل؟
من أكبر نقاط الضعف في الاقتصاد الجهوي، محدودية النسيج الصناعي.
فالجهة لا تزال بحاجة إلى مشاريع صناعية قادرة على تحويل ثرواتها المحلية إلى قيمة مضافة.
الفلاحة، التمور، التفاح، الورود، النباتات الطبية والعطرية، المنتجات المجالية، المعادن، السياحة، الصناعات التقليدية وغيرها، كلها قطاعات يمكن أن تتحول إلى روافد اقتصادية حقيقية إذا تم الانتقال من إنتاج المواد الأولية إلى تصنيعها وتسويقها.
لماذا لا تتحول التمور إلى صناعات غذائية متطورة؟
لماذا لا يتم تطوير وحدات صناعية مرتبطة بالتفاح والمنتجات الفلاحية؟
لماذا لا يتم خلق منظومة متكاملة لتثمين المنتجات المحلية؟
ولماذا لا تصبح الجهة فضاء جاذبا للمستثمرين الصناعيين؟
إن غياب المصانع يعني ببساطة غياب الوظائف، وغياب الوظائف يعني استمرار الهجرة، واستمرار الهجرة يعني فقدان الجهة لجزء من طاقتها البشرية.
درعة تافيلالت.. مؤهلات كبيرة وتنمية متأخرة
المفارقة أن درعة تافيلالت ليست جهة فقيرة من حيث المؤهلات.
فهي تتوفر على ثراء طبيعي وسياحي وثقافي وفلاحي كبير، وعلى موروث تاريخي وحضاري متنوع، وعلى موارد بشرية قادرة على الإبداع والمبادرة.
لكن المشكلة تكمن في تحويل المؤهلات إلى قيمة اقتصادية واجتماعية حقيقية.
فالذهب الحقيقي لأي جهة ليس فقط ما يوجد في باطن الأرض، بل ما يوجد في عقول شبابها، وفي طاقات أبنائها، وفي قدرتها على إنتاج الثروة وفرص العمل.
وإذا استمر نزيف الهجرة، واستمرت البطالة، وضعفت الصناعة، وتأخرت البنيات الأساسية، فإن الجهة ستظل تدور في الحلقة نفسها: شباب يبحث عن العمل، أسر تبحث عن الخدمات، مستثمر يبحث عن البنية التحتية، ومواطن يبحث عن إجابة مقنعة.
الانتخابات المقبلة.. لحظة للمحاسبة أم مجرد إعادة إنتاج؟
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، تبرز مسؤولية المواطن كما تبرز مسؤولية المنتخب.
فالانتخابات ليست مجرد موسم للصور واللقاءات والوعود، وليست مناسبة لإعادة تدوير الشعارات نفسها.
إنها فرصة لمساءلة من تحمل المسؤولية، وطرح سؤال الحصيلة، ومعرفة ما تحقق فعليا وما لم يتحقق، ومنح الثقة لمن يقدم برنامجا واقعيا وقابلا للقياس.
المواطن في درعة تافيلالت لا يحتاج إلى من يقول له إن الجهة بخير.
هو يريد أن يرى ذلك في الطريق الذي يسلكه، وفي المستشفى الذي يقصده، وفي المدرسة التي يدرس فيها أبناؤه، وفي فرصة العمل التي يبحث عنها، وفي المصنع الذي ينتظر افتتاحه، وفي القطار الذي يحلم بأن يصل يوماً إلى مدينته.
مواطن “مع وقف التنفيذ”.. إلى متى؟
المشكلة الحقيقية اليوم ليست في غياب المطالب، فقد أصبحت المطالب معروفة ومكررة.
وليست في غياب التقارير والدراسات والبرامج.
وليست حتى في غياب الوعود.
المشكلة في الفجوة بين ما يقال وما ينجز.
فالمواطن يريد أن يشعر بأن انتماءه إلى جهة درعة تافيلالت لا يعني أن عليه دفع ضريبة جغرافية بسبب بعد المنطقة عن المراكز الاقتصادية الكبرى.
يريد أن يكون له الحق نفسه في الطريق، والقطار، والجامعة، والمستشفى، والمدرسة، والعمل، والاستثمار.
يريد أن يعيش في جهة توفر له شروط البقاء، لا جهة تدفعه تدريجيا إلى التفكير في الرحيل.
ودرعة تافيلالت اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات بقدر ما تحتاج إلى مشروع تنموي جهوي واضح، ومؤسسات منتخبة فعالة، وترافع سياسي قوي، واستثمارات منتجة، وربط حقيقي بشبكات النقل الوطنية، ومنظومة صحية وتعليمية قادرة على الاستجابة للانتظارات.
أما استمرار الوضع على حاله، فسيجعل سؤالا واحدا أكثر إلحاحا من أي وقت مضى:
هل سيظل المواطن في درعة تافيلالت مواطنا كامل الحقوق على الورق فقط، أم ستأتي لحظة تتحول فيها هذه الحقوق من وعود مؤجلة إلى واقع يعيشه الناس كل يوم؟






