
في وقتٍ كان يُنتظر فيه أن تشكّل زيارة وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فاطمة الزهراء المنصوري، إلى إقليم ورزازات محطة مفصلية لإطلاق دينامية تنموية جديدة، جرى التوقيع على اتفاقية استراتيجية لتأهيل المراكز القروية، بشراكة مع مجلس جهة درعة تافيلالت ومختلف المتدخلين الترابيين، وباعتمادات مالية وُصفت بالمهمة، في خطوة حملت وعوداً واضحة بتقليص الفوارق المجالية وتعزيز العدالة الترابية.
غير أن الأشهر التي أعقبت هذا التوقيع لم تأتِ بما يُترجم تلك الالتزامات إلى أوراش مفتوحة أو مشاريع ملموسة على أرض الواقع. الاتفاقية، التي قُدمت باعتبارها رافعة لتأهيل البنيات الأساسية وتحسين ظروف العيش بالعالم القروي، ما تزال حبيسة المساطر والإجراءات، في مشهد يثير تساؤلات جوهرية حول أسباب التعثر ومن يتحمل مسؤوليته.
مسؤولية سياسية في دائرة الضوء
المعطيات المتداولة محلياً تشير إلى أن تعثر تنزيل الاتفاقية يرتبط بعدم تفعيل مساهمة الجهة في الإطار المالي والتنفيذي للمشروع، وهو ما يضع رئاسة مجلس جهة درعة تافيلالت في صلب النقاش. فالاتفاقيات التنموية، مهما بلغت أهميتها، تظل رهينة بمدى التزام الشركاء بتعهداتهم، خاصة عندما يتعلق الأمر ببرامج موجهة لأقاليم تعاني من هشاشة بنيوية وحاجيات متراكمة.
ويطرح هذا الوضع أسئلة مشروعة حول ترتيب الأولويات داخل الجهة، ومدى احترام مبدأ التضامن بين أقاليمها، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو حسابات ضيقة قد تؤثر في توزيع المشاريع والاستثمارات.
أين آليات التتبع والتنسيق؟
في المقابل، يثير غياب مؤشرات واضحة على تدخل فعال من طرف سلطة الوصاية تساؤلات إضافية بشأن دور التنسيق والمواكبة. فالمشاريع المهيكلة ذات الطابع الاستراتيجي يفترض أن تخضع لتتبع دقيق يضمن احترام الآجال والتزامات الشركاء، تفادياً لتحولها إلى ملفات مؤجلة أو موضوع تجاذبات مؤسساتية.
وحين تغيب آليات التتبع الصارم، تصبح الاتفاقيات عرضة للتجميد غير المعلن، وتفقد تدريجياً زخمها السياسي والتنموي، ما ينعكس سلباً على صورة المؤسسات وثقة المواطنين في قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
تنمية رهينة التجاذبات
تتحدث بعض الكواليس الجهوية عن توترات غير معلنة بين الفاعلين، سواء داخل المجلس الجهوي أو بين مستويات القرار الإداري والمنتخب، في سياق تنافس حول توجيه المشاريع نحو هذا الإقليم أو ذاك. وإن صحّ هذا الطرح، فإن الخاسر الأكبر يظل هو المواطن، الذي ينتظر خدمات وبنيات أساسية لا تحتمل مزيداً من التأجيل.
فالتنمية الجهوية لا يمكن أن تُدار بمنطق الغلبة أو موازين القوى، بل وفق رؤية مندمجة تضع الإنصاف المجالي في صلب السياسات العمومية، وتضمن توزيعاً عادلاً للموارد والبرامج.
ورزازات بين الانتظارات والواقع
بالنسبة إلى إقليم ورزازات، كان من شأن هذه الاتفاقية أن تشكل دفعة قوية لتأهيل مراكزه القروية وتعزيز جاذبيته الترابية، خاصة في ظل الخصاص المسجل في عدد من البنيات والخدمات الأساسية. غير أن استمرار التعثر يجعل الساكنة أمام مشهد يتكرر: وعود معلنة، وتوقيعات رسمية، مقابل بطء في التنفيذ.
ربط المسؤولية بالمحاسبة… ضرورة مؤسساتية
ما يجري اليوم يعيد إلى الواجهة مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ليس كشعار سياسي، بل كآلية لضمان احترام الالتزامات وحماية مصداقية المؤسسات. فكل تأخير غير مبرر في تنزيل اتفاقية تنموية يترتب عنه كلفة اجتماعية واقتصادية تتحملها الساكنة أولاً.
إن اتفاقية تأهيل المراكز القروية بورزازات ليست مجرد وثيقة إدارية، بل تعاقد مؤسساتي وأخلاقي مع المواطنين. والرهان اليوم يتمثل في الانتقال من مرحلة التوقيع إلى مرحلة الإنجاز، عبر تفعيل الالتزامات وتسريع وتيرة التنفيذ.
فهل تبادر الجهات المعنية إلى تصحيح المسار وإخراج المشروع إلى حيز الواقع؟ أم أن إقليم ورزازات سيظل مرة أخرى في انتظار تنمية وُعد بها… ولم تكتمل فصولها؟






