تعليم

الجزء الأول من بودكاست السرعة الثانية مع الاستاذ عبد الرحيم دحاوي.. لا إصلاح تعليمي دون رد الاعتبار للأستاذ والتحرر من عولمة القرارات التربوية

في تشريح نقدي جريء للمسار التربوي بالمغرب، وضع الباحث عبد الرحيم دحاوي يده على “الجرح الغائر” للسياسات التعليمية، كاشفاً عن تحالف الإرث الاستعماري وإملاءات المؤسسات الدولية في إجهاض حلم المدرسة الوطنية. وبينما يغرق الإصلاح في دوامة التقني والأرقام، يبرز السؤال الحارق: كيف تحول التعليم من أداة للترقي الاجتماعي إلى آلية لتعميق الفوارق الطبقية في ظل تغييب دور الأستاذ وسقوط شعار التوحيد؟

أكد الباحث والخبير التربوي عبد الرحيم دحاوي، في الجزء الأول من الحلقة الثانية لبودكاست “السرعة الثانية” الذي تبثه جريدة الجهة الثامنة، ويقدمه عبد الكريم الزهيدي، ” أن السياسات التعليمية بالمغرب لا تزال تراوح مكانها بين إرث “التمايز الطبقي” الذي خلفته الحماية الفرنسية وبين “الإملاءات التقنية” للمؤسسات الدولية، معتبرا في قراءة نقدية أن توالي المخططات الإصلاحية منذ الاستقلال لم ينجح في بناء مدرسة وطنية موحدة تحقق تكافؤ الفرص.

وأوضح دحاوي خلال استضافته في بودكاست “السرعة الثانية”، في هذا الجزء، أن الفشل البنيوي لهذه الإصلاحات يعود بالأساس إلى تغييب الفاعل الحقيقي في المنظومة وهو الأستاذ، الذي أقصي من مراكز القرار وصناعة التغيير، مما جعل الإصلاح يتوقف عند عتبة القسم دون النفاذ إلى جوهر العملية التعليمية، محذرا من تحول دور المثقف إلى “خبير تكنوقراطي” يكتفي بتجميل السياسات العمومية وتدبيج الأرقام عوض طرح الأسئلة الحارقة التي تهم مصير الأجيال.

وشدد دحاوي على أن جذور الأزمة تمتد إلى هندسة تعليمية وضعتها فرنسا لضمان “إعادة إنتاج النخب” والحفاظ على الفوارق الاجتماعية والجغرافية، وهو النموذج الذي لم تستطع الحكومات المتعاقبة التخلص من رواسبه بشكل كامل رغم محاولات “الأجرأة” والمبادئ الأربعة التي رفعتها الحركة الوطنية (التوحيد، التعريب، المغربة، والمجانية).

وأشار الباحث، في الجزء الأول من الحلقة، إلى أن سنة 1994 شكلت منعطفا خطيرا نحو “عولمة الإصلاح”، حيث انتقل المغرب من البحث عن هوية تربوية وطنية إلى الاستسلام لتوصيات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وهي السياسات التي طغى عليها هاجس التقشف الاجتماعي وتقليص النفقات على حساب جودة التعليم العمومي، مما أدى إلى سقوط “سؤال التوحيد” من الأجندة السياسية والنقابية، وكرس وجود تعليم بسرعات مختلفة يفرق بين أبناء الشعب الواحد بناء على قدراتهم المادية.

وفي تحليله لمكامن الخلل، لفت دحاوي الانتباه إلى غياب الالتقائية بين القطاعات الوزارية والتركيز المفرط على الحلول الجزئية والتقنية التي تهمل المجتمع الذي نريد بناءه، مؤكدا أن الاستمرار في نهج “إصلاح الإصلاح” دون رؤية مجتمعية شاملة لن يؤدي إلا إلى تعميق الهوة الثقافية والاجتماعية.

واختتم الباحث تشريحه للمشهد التربوي بالتأكيد على أن العودة إلى سكة الإصلاح الحقيقي تقتضي بالضرورة رد الاعتبار للمدرسة العمومية كقاطرة وحيدة للترقي الاجتماعي، وتجرد الفاعلين من الانتماءات الضيقة لصالح “المهنة” والمصلحة العليا للوطن، بعيداً عن لغة الأرقام الصماء التي أثبتت التجربة التاريخية عجزها عن صناعة نهضة تعليمية حقيقية في ظل غياب العدالة والإنصاف.

مقالات ذات صلة

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى