عمود "شرجم"

عمود الجهة 8 ..”شرجم” : محاكمة المنتخبين لبعضهم البعض : مسلسل لا نهاية له سوى بالجرافات

في أغلب المتابعات القضائية التي توبع فيها بعض المنتخبين باقليم الرشيدية، كان فيها المتهم ( بفتح الهاء ) و المتهم ( بكسرها ) ممن يمثل المواطنين داخل جماعاتهم، و قد يكون بعضهم ممن انتهت ولايته، و لم يجدد انتخابه، أو أنه انتقل إلى صف المعارضة، و كأن فضاء قاعة الدورات لم يف بالمطلوب، و لا هو كان كافيا، فلجأ هذا الطرف لتصفية الحساب مع الطرف الآخر، و هذه المرة في ردهات المحاكم .

و الملفت للانتباه أن سلطة الرقابة، و هي عنصر أساس في عملية تدبير الشأن المحلي، تتريث كثيرا قبل اللجوء إلى القضاء، فمادامت أفواه أكل الثوم متوفرة، فما الداعي لأن تلتهمه هي بفمها !

و في كل الأحوال سيطرح السؤال تلو السؤال : هل يحاكم هذا المنتخب تدبير منتخب آخر أم يعبد الطريق لمحاكمة له أو لأحد أتباعه في ولاية لاحقة ؟ أم تحركه قراءته للمصلحة العامة كما رآها هو، و لا يراها غيره كذلك ؟ و هل تركت له و عرضت عليه ليكتشفها هو دون بقية المتدخلين !؟ و لماذا تنتهي الكثير من الدعاوى المرفوعة بالحفظ، و مع ذلك تعاد الكرة و في كل مرة تسلم الجرة ؟ فلقبيلة المنتخبين منطق و آليات للتحليل و الاستنتاج و القياس، يلوون أعناقها لتدل مع كل واحد، على معنى و فهم و مغزى .

توالت دعوات المنتخبين ضد بعضهم البعض، و في كل ولاية تشهد هذه الجماعة أو تلك عملية من هذا القبيل، وتحولت إلى انشغال و هم و تدبير، فصار بمجرد انتقال هذا الطرف من المعارضة إلى التسيير، يشرع في جمع المعطيات لرفع دعوى بمنافسه، و خصمه الذي كان قد رفعها به، لما قاد الجماعة قبله أو بعده، فالمنتخبون لا يتغيرون سوى بنسب ضئيلة للغاية، و التغيير الذي يحدث هو فقط في الفوز بالمكتب أو الانتقال إلى المعارضة، التي ينفر منها المنتخبون، و يخشون أن يجدوا أنفسهم في مقبرتها، ألا تصطلح قبيلة المنتخبين على كل عضو من أعضائها بعبارة ” عضو ميت “، فالاضطلاع بمهام المعارضة موت و فناء و نهاية العالم .

لذلك لا مناص لبعث الروح في أجسادهم الميتة، سوى بالبحث عن الهفوات التي يمكن تكييفها مع فصول المتابعات، فالسادية sadisme تعيد الأرواح إلى الأبدان الميتة، و تجري الدم في الشرايين المجمدة ، و لا منشط لها سوى بالتلذذ بشيء من الآلام التي تصدر عن القائد و كوكبته تارة، أو عن المعارض و جماعته تارة أخرى، فالطبيعة لا تقبل السكون، و السكوت مؤامرة، فلا فائدة من الفوهات المسددة من قبل الخصمين إن لم تطلق الرصاص، و تخرق جدار الصمت، وتخلف الجرحى و الضحايا حتى !

في بعض جماعاتنا صار البحث المضني عن الهفوات القابلة للتوظيف، أهم من البحث عن حلول للمشاكل المتراكمة، قضايا المواطنين العالقة من المفيد أن تظل مؤجلة، فهي قابلة للتوظيف السياسي، أما التجاوزات و الاختلالات التي تسجل على الخصوم، في تدبيرهم للشأن العام، فهي فرصة لا يجب أن تهدر، و إلا ستنفلت كالسمكة من بين أصابع الصياد .

هذه النخب المتداورة على تدبير الشأن العام يتعذر القضاء عليها من داخل المعترك السياسي، فهي اكتسبت مهارات و قدرات و أساليب لا يملكها أحد، و حيل لا حيلة معها، و طلاسم لا يفك رموزها إلا ” العتاة من المنتخبين ” .

تحركت الجرافات هذه الأيام في شوارع الرشيدية ، فهدمت المباني الآيلة للسقوط، و ما غيرت وجهتها لتجرف المنتخبين الذين سجلوا الجماعات بأسمائهم، هذه جماعة فلان و تلك لآل علان، فلا أمل في تجديد النخب إلا بالجرف الكلي للأسماء العائلية التي خصخصت الشأن العام، و بعمليات جراحية تزيل هذه الأورام و الزوائد الدودية التي صارت المعرقل الحقيقي للتنمية و التغيير، و في غياب ذلك ستظل نفس الوجوه تتناوب و تستبدل بعضها، تستغرق الزمن التنموي في الملاسنات و أعمال السرك و الخصومات، فالتعويل على الصناديق في التغيير صار في ظل الأساليب المكتسبة جوابا للتعجيز واختيارا للهروب إلى الأمام .

المختار العيرج

كاتب عمود "شرجم" بجريدة الجهة 8 الإلكترونية

أضف تعليقاً

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى