
في إطار الأنشطة العلمية الرامية إلى تعزيز البحث الأكاديمي والانفتاح على القضايا النقدية المعاصرة، نظم طلبة ماستر “نظرية الشعر في النقد العربي وإشكالية المنهج”، بالكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية، ندوة علمية طلابية تحت عنوان “اللغة الشاعرة ومساقات الشعر.. قراءات في نصوص”، شكلت محطة أكاديمية متميزة للنقاش وتبادل الرؤى حول قضايا اللغة الشعرية، والكتابة الإبداعية، والنقد الأدبي، ومناهج قراءة النصوص، بمشاركة ثلة من الباحثين والطلبة.
وتوزعت أشغال الندوة على أربع مداخلات علمية تناولت مؤلفات ودراسات نقدية مختلفة، جمعت بين التحليل النظري والتطبيق العملي، بحضور أصحاب بعض الأعمال موضوع القراءة، الأمر الذي أضفى على اللقاء بعدا تفاعليا أغنى النقاش وأسهم في تعميق الرؤى.
واستهلت الندوة بمداخلة خصصت لقراءة كتاب “اللغة الشاعرة” للمفكر والأديب عباس محمود العقاد، أنجزها الطلبة عبد السلام أيت بها، وعبد الهادي عروسي، وعبد العزيز أدومز، ومحمد إخليا، وأسماء حسني، وفوزية المحجوبي، وتولى الطالب الباحث عبد السلام أيت بها تقديم العرض، مسلطا الضوء على تصور العقاد للغة العربية كما ورد في مؤلفه، من خلال إبراز البنية اللغوية التي تنطلق من هندسة الحرف واللفظ وصولا إلى هندسة التركيب، مع الوقوف عند الخصائص الجمالية التي تمنح العربية فرادتها وتميزها مقارنة بغيرها من اللغات.
أما المداخلة الثانية، التي أعدها الطلبة طارق بوسعيد، ومريم خيرة، وغيثة أوبعلا، وسناء الداهي، والعربي الشاد بالله، فقد تمحورت حول الكتابة باللغة الشاعرة من خلال قراءة في الرواية التاريخية “مأساة عائلة زنجية في الجنوب الشرقي المغربي” للباحث أحمد يوسفي، وقدمت الطالبة الباحثة مريم خيرة عرضا تناول التعريف بالمؤلف، قبل أن تطرح الإشكالية المركزية للدراسة والمتمثلة في مدى إسهام اللغة الشاعرة في بناء الحبكة السردية للرواية، مستعرضة أبرز مظاهر توظيف اللغة الشعرية في تشكيل الفضاء الروائي وإغناء بنيته الفنية.
وأعقب ذلك تدخل الروائي والباحث أحمد يوسفي، الذي تقاسم مع الحضور خلفيات تأليف روايته التاريخية، موضحا أنها تستند إلى أحداث واقعية عاشها الجنوب الشرقي المغربي، كما استعرض جانبا من تجربته في الكتابة الروائية، قبل أن ينتقل إلى تقديم قراءة في كتاب “نشوة الشعر” للناقد جمال لحلال، اشتغل عليها بمعية الطلبة عمر الرحيوي، وسكينة محمودي، ولمياء لخوخي، ونورة السملالي.
وتناول أحمد يوسفي في عرضه مختلف محاور الكتاب، بدءا بدراسة العنوان والمقدمة، مرورا بالفصل النظري الذي يضم خمسة مباحث، وصولا إلى الفصل التطبيقي الذي رصد فيه المؤلف خمسة أنواع من النشوة الشعرية، وفي تعقيبه، اعتبر أن النشوة الشعرية لا يمكن حصرها في هذه الأنواع وحدها، بل تظل مفتوحة على إمكانات وتجليات أخرى، قبل أن يختتم مداخلته بإلقاء قصيدة شعرية على البحر الطويل، لخص من خلالها قراءته وفهمه لمضامين الكتاب.
من جانبه، قدم الناقد جمال لحلال مداخلة أوضح فيها الدوافع الفكرية والمعرفية التي قادته إلى تأليف كتاب “نشوة الشعر”، مبيناً أن العمل يقوم على ثلاث ركائز أساسية هي الفكر والجمال واللغة، حيث اعتبر أن العلاقة بين اللغة والفكر علاقة تنظيمية، وبين الفكر والجمال علاقة تلازمية، فيما تجمع اللغة بالجمال علاقة تضمينية وتلازمية، بما يعكس التكامل بين هذه العناصر في إنتاج الخطاب الشعري.
واختتمت الندوة بمداخلة حول “المنهج التذوقي عند محمود شاكر”، استندت إلى رسالة الماستر للباحث نور الدين زياني، وألقتها الطالبة فاطمة الزهراء اجهبلي، التي اشتغلت على الموضوع بمعية الطالبتين فردوس هاشمي وصفاء اجهبلي. وتطرقت المداخلة إلى التطبيقات العملية لمنهج التذوق عند محمود شاكر، مبرزة دوره في الكشف عن خبايا العملية الإبداعية وإدراك خصوصيات النص الأدبي.
وفي ختام اللقاء، تناول الباحث نور الدين زياني الكلمة، مستعرضا المكانة العلمية والنقدية التي يحتلها محمود شاكر، مؤكدا أن التذوق الأدبي يمثل ملكة معرفية وجمالية تتجاوز حدود القراءة السطحية للنصوص، كما أبرز طبيعة العلاقة التي أقامها شاكر مع النصوص الأدبية، مشيرا إلى رؤيته التي تعتبر أن النص يحمل في داخله “منزع الشعراء”، بما يجعله فضاء مفتوحا للتأويل واستكشاف أسرار الإبداع.
وشكلت هذه الندوة مناسبة علمية لتأكيد الدور الذي تضطلع به المبادرات الطلابية في تنشيط الحياة الأكاديمية، وتعزيز ثقافة البحث والنقاش، وإتاحة الفرصة أمام الطلبة للتفاعل المباشر مع الباحثين والمؤلفين، بما يسهم في ترسيخ الممارسة النقدية وتطوير آليات قراءة النصوص الأدبية وفق مقاربات منهجية رصينة.






