مجتمع

اكتشاف أحفوري استثنائي بجهة درعة تافيلالت.. المغرب يكشف أقدم وجه وهيكل مكتمل لسمكة قرش عمرها 367 مليون سنة

حقق المغرب إنجازا علميا جديدا يعزز حضوره على الساحة الدولية في مجال علوم الحفريات، بعدما تمكن فريق بحثي دولي، بمشاركة باحثين مغاربة، من الكشف عن أقدم وجه وهيكل جسماني شبه مكتمل لسمكة قرش عرفتها الأرض، وذلك اعتمادا على بقايا أحفورية نادرة يعود تاريخها إلى نحو 367 مليون سنة، عُثر عليها بمنطقة معيذر الواقعة بالأطلس الصغير الشرقي بجهة درعة تافيلالت.

ويشكل هذا الاكتشاف محطة علمية بارزة، بعدما خصصت له دراسة نشرتها المجلة العلمية الدولية Acta Palaeontologica Polonica، والتي استندت إلى تحليل ست حفريات محفوظة في حالة استثنائية لنوع من القروش البدائية يعرف باسم Phoebodus saidselachus، أحد أقدم أسلاف القروش المعروفة في التاريخ الجيولوجي.

وتؤكد نتائج الدراسة أن المنطقة الصحراوية الممتدة حالياً بين أرفود والطاوس لم تكن سوى فضاء بحري غني بالحياة خلال أواخر العصر الديفوني، قبل حوالي 360 مليون سنة، وهو ما يعزز القيمة العلمية الفريدة لهذه المنطقة التي سبق أن احتضنت اكتشافات أحفورية عالمية، من بينها الأثر المعروف باسم Rusophycus antiatlasensis.

وفي تصريح صحفي أوضح الدكتور عبد الواحد لكناوي، أستاذ علم الحفريات بالمدرسة العليا للتربية والتكوين ببرشيد التابعة لجامعة الحسن الأول وعضو الفريق العلمي، أن هذا الاكتشاف أتاح لأول مرة إعادة بناء الرأس والجمجمة والدماغ الافتراضي لهذا النوع من القروش باستخدام تقنيات النمذجة ثلاثية الأبعاد، وهو إنجاز غير مسبوق في مجال دراسة القروش المنقرضة.

وأضاف أن العينات المكتشفة، المستخرجة من طبقات صخرية تعود إلى العصر الفاميني، تضمنت هياكل شبه كاملة تجاوز طول بعضها مترين ونصف، وهو ما مكن الباحثين من دراسة تفاصيل تشريحية دقيقة شملت الهيكل الغضروفي للخياشيم، وشكل الجسم، وتوزيع الزعانف، إضافة إلى الجلد المغطى بحراشف دقيقة، الأمر الذي وفر معطيات غير مسبوقة حول هذا الكائن البحري القديم.

وأبرزت التحاليل المعتمدة على التصوير المقطعي بالأشعة وتقنيات النمذجة الرقمية أن هذا القرش كان يتميز برأس طويل وأنف مدبب يشبه إلى حد كبير القرش الأزرق المعاصر، إلى جانب عينين كبيرتين وجمجمة نحيفة، وهي خصائص تشير إلى أنه كان سباحا سريعا ومفترسا فعالا في البحار القديمة.

كما كشفت الدراسة عن تطور ملحوظ في الجهاز العصبي لهذا النوع، بعدما مكنت النماذج الرقمية من تحديد مسارات الأعصاب المسؤولة عن التوازن والإدراك الحسي. وفي المقابل، عثر الباحثون على شوكة زعنفة تعود لسمكة غضروفية أخرى مغروسة داخل فك إحدى العينات، وهو ما يقدم دليلاً مباشراً على اعتماده في غذائه على فرائس كبيرة، إضافة إلى إثبات امتلاكه خاصية التجدد المستمر للأسنان، وهي الميزة التي لا تزال تميز القروش الحديثة حتى اليوم.

وأكد الباحثون أن أهمية هذا الإنجاز تتجاوز حدود الوصف التشريحي لهذا الكائن المنقرض، إذ أسهم في إعادة رسم شجرة تطور القروش عبر مقارنة أكثر من 200 صفة تشريحية بين عشرات الأنواع القديمة والحالية، لتخلص الدراسة إلى أن القرش المكتشف بالمغرب يمثل أقدم سلف مشترك للقروش الحقيقية المعاصرة.

ويكرس هذا الاكتشاف العلمي المكانة المتنامية لجهة درعة تافيلالت كواحدة من أبرز المناطق العالمية في مجال البحث الأحفوري، ويؤكد من جديد أن الجنوب الشرقي للمملكة ما يزال يخبئ كنوزاً جيولوجية قادرة على إعادة كتابة صفحات مهمة من تاريخ الحياة على كوكب الأرض.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى