الرشيديةثقافة وفن

إصدار أكاديمي جديد للدكتور الصديق الصادقي العماري يوثق تمظهرات الثقافة بواحتي زيز وغريس بتافيلالت

صدر حديثا للدكتور الصديق الصادقي العماري مؤلف علمي جديد يحمل عنوان “تمظهرات الثقافة بواحتي زيز وغريس بتافيلالت.. المنطلقات والامتدادات الاجتماعية”، وهو إصدار أكاديمي يرصد مختلف تجليات الثقافة المحلية بالمجال الواحي، ويقاربها من زوايا أنثروبولوجية وسوسيولوجية، في محاولة لتوثيق الموروث الثقافي والاجتماعي لمنطقة تافيلالت وإبراز خصوصياتها الحضارية.

ويأتي هذا العمل ليضيف لبنة جديدة إلى حقل الدراسات الثقافية المرتبطة بالجنوب الشرقي للمملكة، حيث يقدم قراءة علمية معمقة لمظاهر الثقافة بواحتي زيز وغريس، مستندا إلى مقاربات نظرية وتحليلية تسلط الضوء على التحولات التي عرفها المجتمع الواحي، وعلى القيم والرموز التي شكلت هويته عبر التاريخ.

ويستهل المؤلف كتابه بتقديم نظري يطرح من خلاله مجموعة من الأسئلة الجوهرية المرتبطة بمفهوم الثقافة، وعلاقتها بالهوية واللغة والآخر، إلى جانب إشكالات المثاقفة والحوار بين الثقافات، مستندًا إلى تصورات الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا لفهم تشكل الظاهرة الثقافية وتطورها داخل المجتمعات الإنسانية.

ويؤكد الدكتور الصديق الصادقي العماري، في مقدمة الكتاب، أن لكل أمة ثقافة تعكس كينونتها وتوثق إنتاجها الحضاري عبر الزمن، موضحا أن الثقافة ليست كيانًا جامدًا، بل منظومة حية تتفاعل مع محيطها، وتتلاقح مع الثقافات الأخرى دون أن تفقد خصوصيتها، وهو ما يجعل الهوية الثقافية قائمة على الأصالة والانفتاح في الآن نفسه.

ويتوزع المؤلف على سبعة محاور رئيسية، يتناول أولها الإطار النظري للثقافة من خلال مناقشة مفاهيم الثقافة والهوية والمثاقفة، إضافة إلى العلاقة بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافات الأخرى، بما يفتح المجال أمام فهم أعمق لإشكالات التواصل الثقافي.

أما المحور الثاني فيتناول التحولات التي عرفها القصر الواحي باعتباره فضاءً اجتماعياً وثقافياً، متوقفًا عند بنيته التقليدية، وانتقال السكان من داخله إلى خارجه، وما رافق ذلك من تغيرات مست المنظومة القيمية والاجتماعية للمجتمع الواحي.

ويخصص الكتاب فصولا مهمة للتراث اللامادي، حيث يتناول طقوس الفرجة الكناوية بواحة زيز، متتبعًا أصول كناوة وتسميتها، وطقوس “الموسم” و”الليلة”، والمتن الغنائي واللباس والجسد الراقص والموسيقى الكناوية، باعتبارها عناصر تعكس عمق الممارسة الثقافية بالمنطقة.

كما يرصد المؤلف رقصة “هوبي” لدى قبائل ذوي منيع بواحات زيز، متناولا جذورها التاريخية، وأهميتها الاجتماعية، وكيفيات أدائها، وما تحمله من دلالات ثقافية ورمزية داخل المجتمع المحلي.

وفي جانب آخر، يتوقف الكتاب عند الطقوس الاحتفالية الشعبية بواحة الجرف بمنطقة عرب الصباح بغريس، مستعرضًا أشكال الاحتفال الشعبي ومكوناته، ودوره في الحفاظ على الذاكرة الجماعية وتعزيز الروابط الاجتماعية داخل المجتمع الواحي.

ويولي الإصدار أهمية خاصة لقضايا تدبير الموارد المائية، من خلال فصلين يتناولان أساليب التدبير الاجتماعي للماء في الواحات، وملكية المياه وتقنيات السقي والأعراف المنظمة لتوزيعها، قبل أن يفرد دراسة مستقلة لنظام “الخطارة” بواحة الجرف باعتباره تراثا ثقافيا وهندسة اجتماعية متكاملة لتدبير ندرة المياه، وما يرتبط به من رمزية في الطقوس والعادات المحلية.

ويختتم المؤلف عمله ببيبليوغرافيا تضم المراجع المعتمدة، بما يعزز القيمة الأكاديمية للكتاب ويجعله مرجعًا مهمًا للباحثين والمهتمين بالتراث والثقافة والمجتمع الواحي بجهة درعة تافيلالت.

ويشكل هذا الإصدار إضافة نوعية للمكتبة المغربية، بالنظر إلى ما يتضمنه من توثيق وتحليل لمكونات الهوية الثقافية بواحتي زيز وغريس، كما يساهم في حفظ الذاكرة الجماعية للمنطقة وإبراز غنى تراثها المادي واللامادي، في سياق يتزايد فيه الاهتمام بالدراسات الثقافية وصون الموروث المحلي باعتباره رافعة للتنمية الثقافية وتعزيز الهوية الوطنية.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى