
احتضنت مدينة الرشيدية، يوم الخميس الماضي، ندوة علمية خصصت لاستحضار إحدى أبرز المحطات في تاريخ المغرب المعاصر، وذلك بمناسبة تخليد الذكرى الثالثة والسبعين لثورة الملك والشعب، التي اندلعت في 20 غشت 1953، والذكرى السابعة والأربعين لاسترجاع إقليم وادي الذهب إلى الوطن الأم في 14 غشت 1979.
وحملت الندوة عنوان: «ملحمة ثورة الملك والشعب في وجه الاستعمار الفرنسي لأجل الحرية والاستقلال: وقائعها التاريخية ودلالاتها الوطنية والحضارية»، ونظمتها النيابة الجهوية للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بالرشيدية، بشراكة وتعاون مع فريق البحث في التكامل المعرفي والتجديد المنهجي بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بالرشيدية، التابعة لجامعة مولاي إسماعيل بمكناس.
وشكل هذا اللقاء العلمي مناسبة لإعادة قراءة مرحلة مفصلية من تاريخ المغرب، من خلال مقاربات تاريخية وشرعية وروحية ووثائقية، استهدفت استجلاء خلفيات ثورة الملك والشعب، واستحضار أدوار المقاومة الوطنية وجيش التحرير، فضلاً عن إبراز ما تختزنه هذه المرحلة من دلالات مرتبطة بالوحدة الوطنية والوفاء للوطن وصيانة الذاكرة الجماعية.
وعرفت الندوة حضور عدد من الأساتذة والباحثين والمهتمين بالتاريخ المغربي والذاكرة الوطنية، فيما تولى الدكتور محمد الحفظاوي، رئيس شعبة الدراسات الإسلامية بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بالرشيدية، تنسيق أشغالها، بينما أشرف السيد الحسن الوزاني، النائب الجهوي للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بالرشيدية، على تسيير مختلف فقراتها.
وفي مستهل المداخلات، قدم الدكتور عبد الله دادا، الباحث في التاريخ ونائب رئيس مركز تافيلالت للدراسات والتنمية والأبحاث التراثية، قراءة تاريخية لمسار المقاومة المغربية، متوقفا عند أبرز المحطات والوقائع التي سبقت ثورة 20 غشت 1953 وتلك التي أعقبتها، وما رافقها من تطورات جعلت من الثورة لحظة حاسمة في مسار الكفاح الوطني ضد الاستعمار.
وسلط المتدخل الضوء على طبيعة التلاحم الذي جمع العرش العلوي بالشعب المغربي خلال مختلف مراحل المقاومة، معتبرا أن ثورة الملك والشعب مثلت تعبيراً قوياً عن وحدة الإرادة الوطنية في مواجهة المشروع الاستعماري، كما تطرق إلى المسار الذي واصل من خلاله المغرب استكمال وحدته الترابية، مستحضرا جهود الملك الراحل الحسن الثاني، رحمه الله، وما تلاها من مواصلة لهذا المسار في عهد الملك محمد السادس، نصره الله.
من جهته، تناول الدكتور إدريس مرزوق، رئيس فريق البحث في التكامل المعرفي والتجديد المنهجي بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بالرشيدية، وعضو المجلس العلمي المحلي لإقليم مولاي يعقوب بفاس، موضوع الذاكرة الوطنية من زاوية شرعية وروحية.
وأكد في مداخلته أهمية اعتماد مقاربة معرفية متكاملة عند دراسة الأحداث التاريخية، بما يسمح بفهم سياقاتها واستجلاء أبعادها الوطنية والحضارية، مبرزاً مكانة عقد البيعة وإمارة المؤمنين في مسار العلاقة التاريخية بين العرش العلوي والشعب المغربي.
كما توقف الدكتور مرزوق عند الأبعاد التاريخية والوطنية لثورة الملك والشعب، باعتبارها محطة مفصلية في مسيرة الكفاح الوطني، ومناسبة لاستحضار القيم التي ارتبطت بها، وفي مقدمتها الوفاء والتضحية والوحدة والتشبث بالوطن.
بدوره، ركز الدكتور هشام زريك، القيم على فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بالرشيدية، على مسألة حفظ الذاكرة الوطنية وتوثيقها، مشدداً على ضرورة العناية بالشهادات والوثائق والمصادر المرتبطة بمرحلة المقاومة والتحرير، باعتبارها جزءاً من الرصيد التاريخي للمغرب ومادة أساسية لفهم ماضيه وصيانة ذاكرته الجماعية.
وأوضح أن تخليد المحطات الوطنية لا ينبغي أن يظل مقتصرا على استحضار وقائعها التاريخية، وإنما يتعين تحويل القيم التي تجسدها إلى ممارسات حاضرة، من خلال ترسيخ معاني الوطنية والتضحية والمسؤولية وخدمة الوطن، وربط الذاكرة التاريخية بمتطلبات بناء الحاضر واستشراف المستقبل.
وقد أتاح تعدد المداخلات وزوايا المقاربة نقاشا علميا حول مكانة ثورة الملك والشعب في التاريخ المغربي، ليس باعتبارها مجرد حدث تاريخي مرتبط بمرحلة الاستعمار، وإنما بوصفها محطة جسدت قوة الارتباط بين العرش والشعب، ورسخت وحدة الصف الوطني في مواجهة الاحتلال، وأسهمت في الدفع بمسار المغرب نحو الحرية والاستقلال.
كما شكل اللقاء فرصة لاستحضار الدور الذي اضطلعت به المقاومة الوطنية وأعضاء جيش التحرير في مواجهة الاستعمار، والتوقف عند التضحيات التي قدمها المغاربة دفاعاً عن استقلال البلاد وسيادتها، وما تختزنه تلك المرحلة من دروس وقيم تظل ذات راهنية بالنسبة إلى الأجيال الحالية والمقبلة.
وفي ختام أشغال الندوة، برزت مجموعة من الخلاصات والتوصيات المرتبطة بضرورة مواصلة الاهتمام بالذاكرة التاريخية للمغرب، وتكثيف جهود توثيقها، وإدماج قضايا المقاومة والتحرير ضمن البحث العلمي والأكاديمي، بما يتيح للأجيال الجديدة الاطلاع على مختلف مراحل التاريخ الوطني من خلال مصادر موثوقة ودراسات علمية رصينة.
كما شدد المشاركون على أهمية تعزيز التعاون بين المؤسسات الجامعية والهيئات والمؤسسات المعنية بالذاكرة الوطنية، وتشجيع البحث في الوثائق والشهادات التاريخية، والعمل على تثمين الرصيد المرتبط بالمقاومة والتحرير، بما يساهم في حماية الذاكرة الجماعية من النسيان ويمنحها حضورا أقوى داخل المجال الأكاديمي والثقافي.
وأكدت الندوة، في هذا السياق، أن استحضار ثورة الملك والشعب لا يكتسب قيمته من استعادة أحداث الماضي فحسب، وإنما من القدرة على استلهام معانيها في الحاضر، وترسيخ قيم المواطنة والوحدة والتضحية والوفاء للوطن، وجعل الذاكرة الوطنية رافعة للتربية على المسؤولية والانتماء وخدمة الصالح العام.
وبذلك، شكلت الندوة العلمية التي احتضنتها الرشيدية فضاء أكاديميا لاستعادة واحدة من أكثر صفحات التاريخ المغربي المعاصر تأثيرا، وربط البحث العلمي بالذاكرة الوطنية، وتسليط الضوء على الأبعاد التاريخية والوطنية والروحية والحضارية لثورة الملك والشعب، مع التأكيد على أن الوفاء لتضحيات رجال المقاومة وأعضاء جيش التحرير يمر أيضا عبر صون ذاكرتهم وتوثيق مسارهم ونقل قيمهم إلى الأجيال المتعاقبة.






