منبر الجهة8

ذ. محمد الطيبي يكتب: هل يؤدي تغيير الحزب إلى تجريد المنتخب من مقعده البرلماني؟

بقلم الأستاذ محمد الطيبي

يعد الاستقرار الحزبي أحد المداخل الأساسية لتكريس الثقة في المؤسسات المنتخبة، على اساس أن العملية الانتخابية لا تقوم فقط على اختيار الأشخاص، بل ترتبط كذلك بالبرامج السياسية والأحزاب التي تقدم المرشحين وتتحمل مسؤولية تأطيرهم أمام الناخبين , وقد أحاط المشرع المغربي تغيير الانتماء الحزبي بمجموعة من المقتضيات القانونية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بمنتخب حصل على مقعده الانتدابي باسم حزب سياسي معين.

ولعل الاشكال القانوني المطروح وبحدة يتعلق بمن انتخب عضوا لانتخابات الجماعية لسنة 2021 باسم حزب سياسي، ثم ترشح سنة 2026 للانتخابات التشريعية باسم حزب سياسي آخر، دون أن يكون قد أنهى وفق الإجراءات القانونية الواجبة علاقته الحزبية السابقة، مما يطرح سؤال اعتبار هذا السلوك ترحالاً حزبياً يبرر تجريده من صفته الانتدابية ام لا ؟ وهل يمكن أن يمتد أثر تغيير الحزب من عضوية المجلس الجماعي إلى عضوية مجلس النواب؟ وما حدود اختصاص القضاء في ترتيب الآثار القانونية لهذه الوضعية؟.

و لعل مناقشة هذا الموضوع يفرض التمييز بين المركز القانوني للمنتخب داخل المجلس الجماعي من جهة و داخل المؤسسة التشريعية من جهة أخرى ،اذ ينبغي الانطلاق من مبدأ أساسي مفاده أن التجريد من العضوية الانتدابية ليس جزاءً سياسياً يترتب تلقائياً على كل تغيير في الانتماء الحزبي، بل هو إجراء قانوني يستلزم وجود نص واجب التطبيق، وتحقق شروطه، واحترام المسطرة المحددة قانوناً ؛ و بالرجوع للقانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات فإن المادة 51 منه تنظم حالة تجريد العضو المنتخب الذي يتخلى خلال مدة الانتداب عن الانتماء إلى الحزب السياسي الذي ترشح باسمه ; وهذا يعني أن المنتخب الذي حصل على عضويته داخل المجلس الجماعي باسم حزب معين , لا يمكنه التخلي عن ذلك الانتماء خلال مدة الانتداب ؛ بعد التحقق طبعا من الوقائع من قبيل اعلان المنتخب استقالته من الحزب والتحاقه رسمياً بحزب آخر، و  ترشحه باسم حزب جديد , لتحقق  شروط تحريك مسطرة التجريد.

ان الترشح للانتخابات الجماعية لسنة 2021  باسم حزب معين , و الترشح للانتخابات التشريعية لسنة 2026 باسم حزب مغاير، يجعل الأمر يكتسب خصوصية , حول مدى  اعتبار ذلك الترشح تخليا عن الحزب ؟ و هل هو قرينة على تغيير الانتماء السياسي، خاصة إذا اقترن بالانخراط في الحزب الجديد أو بتصريحات أو وثائق تثبت مغادرة الحزب الأصلي.

غير أن التكييف القانوني السليم يظل رهيناً بظروف النازلة وبالمقتضيات القانونية الواجبة التطبيق ، إذ يجب التمييز بين تاريخ الترشح وتاريخ التخلي الفعلي عن الانتماء الحزبي؛ كون ترتيب الأثر القانوني يستلزم تحديد ما إذا كان التخلي قد وقع خلال مدة الانتداب الجماعي، وليس الاكتفاء بمجرد المقارنة بين لونين سياسيين في انتخابين مختلفين ؛ و من هنا فإن يمكن القول ان المسألة لا تتعلق فقط بتغيير الحزب، بل بمدى احترام القواعد القانونية التي تربط الصفة الانتدابية بالانتماء الحزبي الذي تم الترشح على أساسه.

أما بخصوص واقعة التجريد من المقعد البرلماني فوجب التمييز بدقة بين التجريد من العضوية الجماعية والتجريد من العضوية البرلمانية؛ فالمادة 51 من القانون التنظيمي رقم 113.14 تتعلق بعضوية المجالس الجماعية، ولا ينبغي تفسيرها على أنها تنص على تجريد الشخص من عضويته في مجلس النواب، بدليل ان العضوية البرلمانية تخضع للقانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب ، ولا سيما المقتضيات المتعلقة بالتخلي عن الانتماء من الحزب الذي ترشح الشخص باسمه لعضوية المجلس ، وبالتالي فان ترشح الشخص للانتخابات التشريعية لسنة 2026 باسم حزب جديد وفاز بمقعد برلماني، يتطلب البحث في مدى إمكانية تجريده  بتحديد الحزب الذي ترشح باسمه للبرلمان، والتحقق مما إذا كان قد تخلى خلال مدة انتدابه البرلماني عن الانتماء إلى ذلك الحزب أو عن الفريق أو المجموعة النيابية التي ينتمي إليها وفق الشروط القانونية ذات الصلة.

من هذا المنطلق فان تغيير الحزب الذي سبق أن ترشح الشخص باسمه للانتخابات الجماعية سنة 2021، لا يكفي وحده للقول إن شروط تجريده من المقعد البرلماني قد تحققت؛ لأن المقعد البرلماني يتعلق بانتداب انتخابي مستقل، له شروطه وأسبابه القانونية الخاصة ، ليكون بذلك الأثر القانوني المحتمل لتغيير الحزب قد ينصرف إلى العضوية الجماعية إذا ثبت تحقق شروط التجريد، بينما لا يمكن الجزم بتجريد المعني بالأمر من المقعد البرلماني إلا بناءً على سبب قانوني مستقل ينطبق على وضعيته داخل مجلس النواب.

ويبقى للقضاء الدور الاساسي في التحقق من الوقائع وتطبيق النصوص القانونية، فلا يكفي وجود خلاف سياسي بين المنتخب وحزبه لترتيب التجريد من العضوية، بل النظر في النازلة بالتحقق من فحص مجموعة من العناصر من بينها وثيقة الترشح باسم الحزب الذي حصل المعني بالأمر على المقعد الجماعي بواسطته سنة 2021، و الاستقالة  من الحزب الأصلي، وتاريخ تقديم الاستقالة وآثارها القانونية، و تاريخ الترشح التشريعي ومدى تزامنه مع استمرار الانتداب الجماعي.

وقد أثارت مسألة حماية الانضباط الحزبي وضمان الحقوق السياسية نقاشاً أوسع بشأن التوازن بين حق المواطن في تغيير انتمائه السياسي وبين ضرورة حماية الثقة التي يمنحها الناخبون للمرشحين من خلال الأحزاب السياسية ؛ فلا يمكن إغفال أن حرية الانتماء السياسي تندرج ضمن الحقوق الأساسية، وأن تغيير القناعة السياسية لا ينبغي أن يتحول، في حد ذاته إلى سبب للعقاب خارج الحالات التي يحددها القانون ، و ان السماح للمنتخب بالاستفادة من التزكية الحزبية للحصول على المقعد، ثم التخلي عن الحزب خلال مدة الانتداب في الحالات التي يترتب عليها التجريد قانوناً، قد يضعف الصلة بين الاختيار الانتخابي والمسؤولية السياسية ، ومن هنا تبرز أهمية التطبيق الدقيق للقواعد القانونية، بما يضمن عدم تحويل التجريد إلى وسيلة لتصفية الخلافات الحزبية، وفي الوقت نفسه يمنع التحايل على المقتضيات المنظمة للانتماء السياسي والصفة الانتدابية من جهة اخرى .

و من هنا يمكن القول  أن ترشح عضو او  رئيس مجلس جماعي باسم حزب سياسي سنة 2021، ثم ترشحه للانتخابات التشريعية سنة 2026 باسم حزب آخر، يثير إشكالاً قانونياً جدياً يتعلق باستمرار انتمائه  بالحزب الذي حصل باسمه على عضويته الجماعية , و يبقى حسم إمكانية تجريده يقتضي تحديد الأثر القانوني لكل انتداب على حدة ، فإذا تخلى  الشخص خلال مدة الانتداب الجماعي عن الانتماء إلى الحزب الذي ترشح باسمه، فقد تكون هناك إمكانية لتطبيق مقتضيات المادة 51 من القانون التنظيمي رقم 113.14، متى تحققت شروطها واحترمت مسطرتها ، أما تجريده من مقعده البرلماني, فلا يمكن استخلاصه تلقائياً من تغيير الحزب بين الانتخابات الجماعية والتشريعية؛ بل يتطلب تحقق سبب قانوني ينطبق على عضويته البرلمانية وفق القانون التنظيمي رقم 27.11 ، وبذلك، فإن التكييف القانوني السليم يقوم على التمييز بين الانتدابين الجماعي والبرلماني، وبين مجرد الترشح باسم حزب آخر والتخلي القانوني عن الانتماء الحزبي، مع إسناد كل نتيجة إلى النص القانوني الذي يؤطرها.

الأستاذ محمد الطيبي

محامي بهيئة المحامون بمكناس و الرشيدية

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى