منبر الجهة8

ذ. اسليماني مولاي عبد الله يكتب: تمويل التحكيم من طرف ثالث: الغاية من الإفصاح وحدوده

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

أصبح تمويل التحكيم من طرف ثالث (Third-Party Funding) من الموضوعات التي تفرض نفسها بقوة في التحكيم التجاري والاستثماري المعاصر. ولم يعد النقاش ينحصر في مدى مشروعية أن يتحمل شخص أو كيان من غير أطراف النزاع تكاليف التحكيم مقابل مصلحة اقتصادية في نتيجته، وإنما انتقل إلى مسألة أكثر دقة تتمثل في حدود الشفافية التي ينبغي أن تحكم هذه العلاقة، ولا سيما: هل يجب الإفصاح عن وجود الممول؟ وما الغاية القانونية من هذا الإفصاح؟ وما المعلومات التي ينبغي كشفها؟ وهل يمتد ذلك إلى اتفاقية التمويل ذاتها وشروطها المالية والتجارية؟

والإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي منذ البداية التمييز بين مسألتين مختلفتين: الإفصاح عن وجود التمويل وهوية الممول من جهة، والإفصاح عن اتفاقية التمويل ومضمونها وشروطها من جهة أخرى. فإذا كان الاتجاه الحديث يميل إلى تكريس الإفصاح عن وجود التمويل وهوية الممول باعتباره وسيلة لحماية استقلال المحكمين ونزاهة الإجراءات، فإن ذلك لا يعني، بصورة تلقائية، أن اتفاقية التمويل بكاملها تصبح وثيقة واجبة الكشف.

ويقصد بتمويل التحكيم من طرف ثالث، في صورته التقليدية، قيام شخص أو كيان لا يكون طرفاً في النزاع بتمويل كل أو جزء من تكاليف مباشرة المطالبة أو الدفاع عنها، مقابل عائد يرتبط عادة بنتيجة النزاع. وقد يشمل التمويل أتعاب المحامين، وأتعاب الخبراء، ورسوم المؤسسة التحكيمية، وتكاليف الخبرة، وغيرها من المصاريف المرتبطة بإدارة النزاع.

غير أن مفهوم التمويل ليس موحداً في جميع القوانين والقواعد التحكيمية. فبعض الأنظمة تتبنى مفهوماً تجارياً ضيقاً يركز على التمويل مقابل عائد مرتبط بنتيجة النزاع، بينما تعتمد قواعد أخرى مفهوماً أوسع يشمل أشكالاً مختلفة من الدعم المالي. ولذلك ينبغي، قبل تحديد ما إذا كان ترتيب معين يمثل “تمويلاً من طرف ثالث”، الرجوع إلى النص القانوني أو القواعد المؤسسية أو الإجرائية الواجبة التطبيق في التحكيم المعني.

ويكتسي هذا التحديد أهمية عملية، لأن واجب الإفصاح لا ينشأ بالضرورة من قاعدة دولية موحدة تنطبق على جميع التحكيمات. فقد يستمد مصدره من القانون الواجب التطبيق، أو قانون مقر التحكيم، أو قواعد المؤسسة التحكيمية، أو اتفاق الأطراف، أو قرار صادر عن هيئة التحكيم، أو قواعد ومعايير تعارض المصالح المعمول بها في النزاع.

وبالتالي فإن السؤال الصحيح لا ينبغي أن يكون فقط: هل يوجد ممول من طرف ثالث؟ وإنما أيضاً: ما مصدر واجب الإفصاح في هذه القضية، وما النطاق الذي حدده هذا المصدر؟

وقد أصبح هذا الاتجاه أكثر وضوحاً في القواعد المؤسسية الحديثة. فقواعد التحكيم الدولية تتجه بصورة متزايدة إلى إلزام الطرف الذي يستفيد من التمويل بالإفصاح عن وجود الممول وهويته عندما تكون له مصلحة اقتصادية في نتيجة التحكيم. كما أن قواعد المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (ICSID) لعام 2022 أخذت بنظام أكثر تفصيلاً في هذا المجال، بما يشمل الإفصاح عن هوية الممول وبعض المعلومات المتعلقة بملكيته وسيطرته وفق الحالات التي تحددها القواعد.

وتكمن الغاية الأساسية من هذا الإفصاح في حماية استقلال المحكم وحياده والكشف المبكر عن تعارض المصالح.

فالتحكيم يقوم في جوهره على الثقة في هيئة مستقلة ومحايدة. وقد لا تكون للمحكم علاقة ظاهرة مباشرة بأي من أطراف النزاع، بينما قد توجد علاقة مالية أو مهنية بينه أو بين مكتبه المهني وبين الممول. وقد تكون هذه العلاقة مباشرة أو غير مباشرة، أو تكون هناك علاقات متكررة بين الممول ومحكم معين أو مؤسسة أو مكتب محاماة.

ومن دون معرفة هوية الممول قد يصبح من الصعب، بل من المستحيل في بعض الحالات، إجراء فحص فعلي لتعارض المصالح. ومن هنا انتقل الممول تدريجياً من كونه عنصراً خاصاً في العلاقة المالية بين الطرف ومحاميه أو مموله إلى عنصر قد تكون معرفته ضرورية لضمان نزاهة تشكيل هيئة التحكيم.

ولا يقتصر أثر الإفصاح على حماية المحكم، بل يمتد إلى سلامة الإجراءات والحكم التحكيمي ذاته.

فإذا ظهرت بعد مدة طويلة علاقة جوهرية بين الممول وأحد المحكمين كان من الممكن اكتشافها منذ بداية الإجراءات، فقد يثار طلب لرد المحكم أو الاعتراض على استقلاله وحياده، وقد تنتقل المسألة لاحقاً إلى مرحلة الطعن في الحكم أو الاعتراف به وتنفيذه، بحسب القانون الواجب التطبيق.

ومن ثم فإن الإفصاح المبكر يؤدي وظيفة وقائية بالغة الأهمية، لأنه يسمح بالكشف عن التعارض قبل أن يتحول إلى أزمة إجرائية تمس سلامة التحكيم برمته.

غير أن وجود التمويل لا ينبغي أن يتحول تلقائياً إلى قرينة على ضعف المركز المالي للطرف المستفيد أو على عجزه عن الوفاء بالمصاريف. وهذه المسألة تظهر بوضوح في إطار ضمان المصروفات (Security for Costs).

فقد يتمسك أحد الأطراف بأن خصمه يعتمد على ممول خارجي، وأنه قد لا يستطيع تنفيذ حكم المصاريف إذا خسر النزاع. إلا أن الربط الآلي بين وجود التمويل والإعسار يظل غير سليم. فوجود ممول قد يكون نتيجة قرار استثماري أو لإدارة مخاطر السيولة، وليس بالضرورة دليلاً على عدم الملاءة.

وتقدم قواعد ICSID لعام 2022 نموذجاً مهماً في هذا الصدد، إذ تسمح بأخذ وجود التمويل من طرف ثالث في الاعتبار عند بحث طلب ضمان المصروفات، لكنها لا تجعل وجود التمويل وحده سبباً كافياً لإصدار الأمر بالضمان. ويظل على الهيئة النظر في مجموع الظروف، ومنها قدرة الطرف واستعداده للامتثال لأي قرار متعلق بالمصاريف، وتأثير الضمان في قدرته على متابعة دعواه، وسلوك الأطراف وغير ذلك من العناصر ذات الصلة.

وهذه المقاربة تحقق توازناً مهماً، لأنها تمنع تحويل وسيلة تمويل مشروعة إلى أداة إجرائية لمعاقبة الطرف على اختياره تمويلاً خارجياً.

أما بالنسبة إلى الحد الأدنى الطبيعي للإفصاح، فإن الاتجاه الحديث يميل إلى أن يدور أساساً حول وجود التمويل وهوية الممول، مع إمكانية امتداد المعلومات بحسب النظام المطبق إلى عنوان الممول أو الأشخاص والكيانات التي تملكه أو تسيطر عليه، عندما تكون هذه المعلومات ضرورية لفحص تعارض المصالح.

أما السؤال الأكثر حساسية فيتعلق بما إذا كان يجب تقديم اتفاقية التمويل نفسها.

والجواب، من حيث الأصل، هو أن وجوب الإفصاح عن وجود التمويل وهوية الممول لا يعني تلقائياً وجوب تقديم اتفاقية التمويل كاملة.

فاتفاقية التمويل قد تحتوي على معلومات تجارية ومالية شديدة الحساسية، مثل حجم التمويل، ونسبة العائد، وآليات حساب المقابل، والميزانية المخصصة للنزاع، وشروط إنهاء التمويل، وترتيبات التسوية، وتقييم المخاطر، وتقديرات القوة القانونية للمطالبة، وربما معلومات ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة باستراتيجية إدارة النزاع.

ومن ثم فإن الكشف الكامل عن الاتفاقية قد يتحول، إذا لم يكن مبرراً، من وسيلة لحماية نزاهة التحكيم إلى وسيلة للحصول على أسرار الخصم واستراتيجيته التجارية والقانونية.

ولهذا ينبغي أن يكون الإفصاح الموسع استثنائياً ومسبباً ومرتبطاً بمسألة محددة.

فإذا كانت هناك شبهة جدية في تعارض المصالح، ينبغي أن يقتصر الكشف على المعلومات اللازمة للتحقق من ذلك التعارض.

وإذا كانت المسألة تتعلق بضمان المصروفات، فقد تحتاج الهيئة إلى معرفة ما إذا كان الممول يتحمل بعض المصاريف المحكوم بها أو طبيعة الترتيب المالي ذي الصلة، دون أن يكون ذلك مبرراً تلقائياً لكشف كامل الاتفاقية.

وإذا كان النزاع يتعلق بمدى سيطرة الممول على الدعوى، فقد يكون من الضروري معرفة ما إذا كان للممول حق التدخل في استراتيجية التقاضي أو اختيار المحامين أو قبول التسوية أو رفضها. لكن حتى في هذه الحالة ينبغي أن ينحصر الكشف في البنود ذات الصلة بهذه المسألة.

ومن هنا يمكن تأصيل حدود الإفصاح وفق معيار الصلة والضرورة والتناسب.

فعلى هيئة التحكيم، قبل أن تأمر بكشف معلومات تتجاوز وجود التمويل وهوية الممول، أن تتحقق من أربعة عناصر أساسية:

أولاً: أن تكون المعلومة ذات صلة بمسألة حقيقية مطروحة أمام الهيئة.

ثانياً: أن يكون الكشف عنها ضرورياً للفصل في تلك المسألة.

ثالثاً: ألا توجد وسيلة أقل مساساً بسرية الطرف تحقق الغرض نفسه.

رابعاً: أن يكون نطاق الكشف متناسباً مع المصلحة الإجرائية المراد حمايتها.

وبذلك يمكن صياغة قاعدة عامة مفادها أن كلما ابتعد طلب الإفصاح عن مجرد إثبات وجود التمويل وهوية الممول، ازدادت الحاجة إلى تبرير محدد يثبت صلته وضرورته وتناسبه.

ويرتبط ذلك أيضاً بمسألة السرية والامتياز القانوني.

فلا يجوز اعتبار واجب الإفصاح عن التمويل تنازلاً عاماً عن السرية. وهناك فرق جوهري بين الشفافية اللازمة لحماية نزاهة التحكيم وبين كشف المعلومات القانونية والتجارية الخاصة بالطرف.

وقد تتضمن العلاقة بين الطرف ومحاميه والممول تحليلات قانونية وتقييماً للأدلة والمخاطر. وتحديد ما إذا كانت هذه المعلومات مشمولة بالامتياز القانوني أو الحماية من الكشف يظل مسألة تحكمها القواعد القانونية والإجرائية الواجبة التطبيق وظروف كل قضية.

ولهذا ينبغي، عندما ترى الهيئة ضرورة الكشف عن معلومات حساسة، اعتماد وسائل أقل تدخلاً، مثل الكشف الجزئي، أو حجب الأجزاء غير ذات الصلة، أو الاكتفاء ببنود محددة، أو إخضاع المعلومات لنظام سرية مناسب.

كما لا يعني وجود التمويل بالضرورة وجوب الكشف عن قيمة التمويل أو نسبة الممول من العائد.

فمقدار التمويل والعائد المتفق عليه ونسبة الممول من المبلغ المحكوم به ليست، في الأصل، معلومات يجب كشفها لمجرد وجود التمويل، إلا إذا نص النظام المطبق على خلاف ذلك أو أصبحت هذه المعلومات مرتبطة مباشرة بمسألة إجرائية محددة.

ويجب كذلك التمييز بين المصلحة الاقتصادية للممول وبين صفته القانونية في الخصومة.

فمجرد تمويل الدعوى لا يجعل الممول تلقائياً طرفاً في اتفاق التحكيم، ولا يحوله بمجرد الإفصاح إلى طرف في الخصومة التحكيمية. أما إمكانية تحميله بعض المصاريف أو ترتيب آثار إجرائية أخرى عليه، فمسألة مستقلة تتطلب سنداً قانونياً واختصاصياً مناسباً.

كما أن الإفصاح عن الممول لا يعني أن الدعوى قوية أو ضعيفة.

فقد يكون الممول قد أجرى دراسة تجارية وقانونية متعمقة قبل استثماره، لكن هذا التقييم لا يشكل دليلاً على صحة المطالبة أمام هيئة التحكيم. وبالمقابل، فإن حاجة الطرف إلى التمويل لا تثبت إعساره ولا سوء نيته ولا عدم قدرته على الوفاء بحكم المصاريف.

ومن المسائل المهمة كذلك توقيت الإفصاح واستمراره.

فالإفصاح لا ينبغي أن يكون إجراءً شكلياً يتم مرة واحدة ثم ينتهي أثره. فإذا تغير الممول، أو تغيرت طبيعة التمويل، أو طرأت معلومات جديدة يمكن أن تؤثر في فحص تعارض المصالح، فإن مقتضيات النزاهة الإجرائية تقتضي تحديث الإفصاح وفق القواعد الواجبة التطبيق.

وفي السياق الدولي، يتضح أن التنظيم يتجه من مرحلة كان فيها تمويل التحكيم شأناً خاصاً بين الطرف والممول إلى مرحلة أصبحت فيها هوية الممول جزءاً من منظومة حماية استقلال التحكيم. وتقدم قواعد المؤسسات التحكيمية الدولية الحديثة، وقواعد ICSID، وأعمال UNCITRAL المتعلقة بإصلاح تسوية منازعات المستثمر والدولة، مؤشرات مهمة على هذا التطور، خصوصاً في مسائل تعارض المصالح والسرية والمصاريف وضمان المصروفات.

أما في البيئة العربية، ومن بينها التحكيم الفلسطيني، فإن معالجة المسألة تقتضي الرجوع إلى القانون الوطني والقواعد الإجرائية للمركز المختار واتفاق الأطراف، خصوصاً عندما لا يتضمن التشريع الوطني تنظيماً تفصيلياً خاصاً بتمويل الطرف الثالث. ولذلك فإن تطوير قواعد مؤسسية واضحة أصبح أمراً مهماً لتفادي ترك المسألة للاجتهاد بعد نشوء النزاع.

وينطبق الأمر ذاته على البيئة المغربية، حيث تكتسب المسألة أهمية متزايدة مع تطور التحكيم التجاري والدولي. ويستحسن أن تتجه مراكز التحكيم إلى وضع قواعد صريحة تحدد: مفهوم التمويل، وحالات الإفصاح، وهوية الممول، وتوقيت الإفصاح، ونطاقه، وعلاقته بضمان المصروفات، وحماية السرية والامتياز القانوني.

ويمكن تصور نموذج تنظيمي متوازن يقوم على تسعة مبادئ:

  1. الإفصاح عن وجود التمويل وهوية الممول متى كان ذلك واجباً بموجب القواعد المطبقة.
  2. إجراء الإفصاح في مرحلة مبكرة من الخصومة.
  3. استمرار واجب تحديث الإفصاح عند حدوث تغيير جوهري.
  4. عدم اعتبار اتفاقية التمويل بأكملها واجبة الكشف تلقائياً.
  5. منح هيئة التحكيم سلطة الأمر بإفصاح إضافي عند وجود ضرورة محددة.
  6. إخضاع الإفصاح الإضافي لمعايير الصلة والضرورة والتناسب.
  7. حماية السرية والامتياز القانوني واستراتيجية الدفاع.
  8. عدم اعتبار التمويل وحده دليلاً على الإعسار أو سبباً كافياً لضمان المصروفات.
  9. عدم اعتبار وجود التمويل دليلاً على قوة المطالبة أو ضعفها.

أما عدم الإفصاح، فلا ينبغي أن يخضع لجزاء واحد في جميع الحالات. فالأثر القانوني يتوقف على مصدر واجب الإفصاح، وطبيعة المخالفة، وتوقيتها، وما إذا ترتب عليها تعارض مصالح فعلي أو مساس بحقوق الدفاع أو سلامة تشكيل الهيئة.

وقد يترتب، بحسب النظام المطبق، أمر بالإفصاح أو تدبير إجرائي أو أثر في المصاريف، وقد تصبح المسألة أكثر خطورة إذا كشفت عن عيب يمس استقلال المحكم أو حياده أو سلامة تشكيل الهيئة. لكن لا ينبغي القفز مباشرة من مجرد مخالفة واجب الإفصاح إلى القول ببطلان الحكم التحكيمي؛ فالعبرة بالأثر القانوني والإجرائي الفعلي للمخالفة وبأحكام القانون الواجب التطبيق.

ومن زاوية الوقاية من بطلان الحكم التحكيمي، تكتسب إدارة الإفصاح منذ بداية الخصومة أهمية خاصة. فكلما أمكن اكتشاف علاقات التمويل والتعارضات المحتملة في وقت مبكر، أمكن معالجة المسألة قبل صدور الحكم، بدلاً من تركها لتظهر لاحقاً في مرحلة الطعن أو الاعتراف والتنفيذ.

وهنا تتقاطع مسألة تمويل الطرف الثالث مع مجموعة أوسع من الضمانات المتعلقة بصحة التحكيم، من بينها استقلال المحكمين وحيادهم، وصحة تشكيل الهيئة، واحترام حقوق الدفاع، وعدم تجاوز الهيئة لحدود مهمتها، وسلامة التبليغات والمواعيد، واحترام القانون الواجب التطبيق، واستيفاء الحكم لمتطلباته الشكلية والموضوعية.

الخلاصة

يمكن استخلاص أن الاتجاه الحديث لا يقوم على مبدأ “الكشف الكامل”، وإنما على مفهوم أكثر دقة هو “الشفافية الوظيفية”.

فالشفافية ليست غاية مستقلة، وإنما وسيلة لحماية مصلحة إجرائية محددة، وفي مقدمتها استقلال المحكم وحياده، وسلامة تشكيل الهيئة، ونزاهة الإجراءات.

وعليه، فإن وجود التمويل وهوية الممول يمثلان جوهر الإفصاح الأساسي عندما يفرضه النظام المطبق، بينما تبقى اتفاقية التمويل وشروطها التفصيلية، من حيث الأصل، خارج نطاق الكشف التلقائي.

والقاعدة التي يمكن اختصار هذه الدراسة فيها هي:

الإفصاح يجب أن يكون واسعاً بالقدر الذي يحمي استقلال المحكم ونزاهة الإجراءات، وضيقاً بالقدر الذي يحمي السرية والامتياز القانوني واستراتيجية الخصومة.

فإذا كانت معرفة هوية الممول تحقق الغاية، فلا موجب لكشف العقد. وإذا كانت معلومة محددة من العقد ضرورية للفصل في مسألة إجرائية، يكشف عنها في حدود تلك الضرورة، دون أن يمتد الكشف تلقائياً إلى بقية الاتفاقية.

أما الكشف الكامل لمجرد وجود التمويل، فيتجاوز في الأصل فلسفة الإفصاح، وقد يحول قاعدة الشفافية من أداة لحماية نزاهة التحكيم إلى أداة لاكتشاف أسرار الخصم واستراتيجيته.

ومن ثم فإن التحدي الحقيقي أمام التحكيم المعاصر لا يتمثل في الاختيار بين السماح بالتمويل أو منعه، وإنما في بناء نظام يحقق التوازن بين الوصول إلى العدالة من جهة، واستقلال المحكم وحياده وسرية المعلومات والمساواة بين الأطراف من جهة أخرى.

وهذا التوازن سيكون أكثر أهمية مستقبلاً مع توسع استخدام تمويل الطرف الثالث في التحكيم التجاري والاستثماري، لأن نجاح هذه الآلية لن يقاس فقط بقدرتها على توفير السيولة لأصحاب المطالبات، وإنما أيضاً بقدرتها على الاندماج في منظومة تحكيمية تحافظ على الاستقلال والشفافية والسرية وسلامة الأحكام وقابليتها للاعتراف والتنفيذ.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى