يوسف قموش يكتب .. انتخابات 23 شتنبر : قراءة في التوقعات

منذ سنوات، لم يعد المغرب يتحرك بعقلية “تدبير اليومي” فقط، بل دخل مرحلة بناء تموقع استراتيجي طويل المدى. فتنظيم مشترك لكاس العالم 2030، والتطورات المتسارعة في ملف الصحراء، والتحولات الجيوسياسية في المنطقة، كلها تجعل الدولة امام لحظة شبيهة بلحظات مفصلية عرفها المغرب بعد الاستقلال او خلال سنوات الحسن الثاني في ذروة الحرب الباردة.
وفي مثل هذه اللحظات، لا تبحث الانظمة عن الخطباء بقدر ما تبحث عن شبكات النفوذ، وعن المال، وعن القدرة على التفاوض مع القوى المؤثرة في العالم. لقد اظهرت التجربة التاريخية للمغرب ان الدولة، حين تدخل المنعطفات الحساسة، تميل الى الاعتماد على النخب البراغماتية اكثر من اعتمادها على الاحزاب الايديولوجية.
فالمغرب اليوم لا يحتاج فقط الى مفكرين ومنظرين، بل يحتاج كذلك الى رجال اعمال كبار، والى لوبيات اقتصادية قادرة على فتح الابواب المغلقة في واشنطن وباريس ولندن وتل ابيب والخليج. لان المعارك الحديثة لم تعد تحسم فقط بالشعارات، بل بالاستثمارات، والعلاقات الدولية، والتاثير داخل مراكز القرار العالمية. في هذا السياق، يصبح مفهوما لماذا تبدو الدولة اكثر قربا من الاحزاب التي تمثل البورجوازية الحديثة، او تلك التي نشات داخل الادارة واستطاعت استقطاب رجال المال والاعيان.
فهذه الاحزاب لا تدخل في صدامات ايديولوجية حادة مع الغرب، ولا ترفع خطابا شعبويا ضد الراسمال، بل تقدم نفسها كادوات للاستقرار، والتنمية، والانفتاح الاقتصادي. وهي الرسالة التي يريد المغرب ايصالها الى الخارج قبل الداخل: بلد مستقر، منفتح، قادر على حماية الاستثمارات وتنظيم التظاهرات الكبرى وتوقيع الشراكات الحساسة. اما الاحزاب ذات الخلفية الاسلامية او اليسارية التقليدية، فقد اصبحت تواجه معضلة حقيقية. فحزب حزب العدالة والتنمية، رغم امتلاكه قاعدة شعبية وتجربة حكومية سابقة، يصعب عليه اليوم ان يقود مرحلة عنوانها التطبيع الواقعي مع اسرائيل، والتقارب مع اللوبيات المؤثرة في الولايات المتحدة، واعادة تشكيل التحالفات الاقليمية. ليس لان الحزب يفتقد للكفاءات، بل لان هويته الايديولوجية تجعل هامش تحركه محدودا في ملفات شديدة الحساسية. كما ان القوى الخليجية التي تدعم المغرب استراتيجيا لا تبدو متحمسة لصعود تيارات مرتبطة، ولو رمزيا، بفكر الاخوان المسلمين.
الامر نفسه ينطبق جزئيا على احزاب اليسار التقليدي مثل حزب التقدم والاشتراكية او حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. فهذه الاحزاب تمتلك رصيدا تاريخيا ونخبا فكرية، لكنها لم تعد قادرة على التحكم في المزاج الانتخابي او بناء شبكات المال والنفوذ التي اصبحت ضرورية في السياسة الحديثة. كما ان خطابها الاجتماعي، رغم اهميته، لم يعد كافيا لاقناع مراكز القرار الدولية بان المغرب يمتلك نخبة سياسية قادرة على ادارة مرحلة عالمية شديدة التعقيد. في المقابل، تبدو الاحزاب الادارية البراغماتية اقرب الى المرحلة المقبلة. فحزب التجمع الوطني للاحرار يمثل نموذجا لتحالف السلطة بالمال والاعمال والادارة. وهو حزب يفهم لغة المستثمرين والاسواق والعلاقات الدولية اكثر مما يفهم لغة التعبئة الجماهيرية التقليدية. كما ان حضوره داخل عالم الاعمال يجعله اكثر قدرة على تسويق صورة المغرب كمنصة اقتصادية افريقية ومتوسطية واعدة.
لهذا، من المرجح ان تشهد الانتخابات المقبلة استمرار تقوية الاحزاب القريبة من الدولة ومن شبكات المال، حتى وان تراجعت شعبيتها الاجتماعية نسبيا بسبب الاوضاع الاقتصادية. فالرهان الاساسي في المرحلة القادمة لن يكون فقط على كسب اصوات الشارع، بل على انتاج واجهة سياسية مطمئنة للخارج، قادرة على تدبير ملفات كبرى مثل كاس العالم، والاستثمارات الضخمة، والتحولات الدبلوماسية المرتبطة بالصحراء. وقد نشهد ايضا اعادة تشكيل للمشهد الحزبي بشكل يجعل المعارضة نفسها “مؤطرة” داخل سقف لا يهدد الاختيارات الاستراتيجية الكبرى للدولة. بمعنى ان التنافس الانتخابي سيبقى قائما، لكن ضمن حدود تحفظ الانسجام حول الملفات السيادية الكبرى. غير ان هذا الخيار يحمل في داخله مخاطره ايضا.
فالافراط في الاعتماد على النخب المالية والتكنوقراطية قد يعمق الهوة بين الدولة والطبقات الشعبية، خصوصا اذا استمرت ازمة الغلاء والبطالة والفوارق الاجتماعية. لان الاستقرار لا يصنع فقط بالعلاقات الدولية والمال، بل كذلك باحساس المواطن العادي بانه مستفيد من التحولات الكبرى لا مجرد متفرج عليها. المغرب اذن يتجه نحو مرحلة عنوانها البراغماتية السياسية والاقتصادية، حيث ستتراجع قوة الخطابات الايديولوجية لصالح منطق المصالح والتحالفات الدولية. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، غالبا ما تختار الدولة رجال التفاوض والمال والنفوذ، لا رجال الشعارات والاحتجاجات. هكذا جرى الامر في محطات سابقة من تاريخ النظام المغربي، ويبدو ان الانتخابات المقبلة لن تكون استثناء عن هذه القاعدة.



