المختار العيرج يكتب … العزوف عنوان الاستحقاقات المقبلة

المختار العيرج
في خريف سنة 2026 سيكون لنا موعد مع استحقاق يهم تجديد البرلمان المغربي، و على خلاف ما ظل مألوفا في مناسبات مماثلة، يلاحظ أن استحقاق هذا العام سيكون من أكثر الاستحقاقات ” برودة “، فالمواطن يبدو غير مهتم على الاطلاق بهذا الموعد و كأنه لا يعنيه، و لم تأبه به سوى ثلة قليلة ممن يشتغلون في حقل الإعلام، لكن تأثيرهم في صنع القرار و تكييف الرأي العام صار محدودا للغاية .
و مما لا شك فيه ستعرف الانتخابات المقبلة عزوفا لم يسبق له نظير، فالمواطن لم يعد يرى في هذه المواعد ما يحفزه على الانخراط فيها، و امتد هذا العزوف ليلامس فئات واسعة من المثقفين و المتعلمين في القطاعين العام و الخاص، و ستترك الساحة و مكاتب الانتخابات، للمنتخبين الذين اكتسبوا هذه الصفة بالعود و المعاودة، و سجلوها بأسمائهم العائلية في بورصتهم الانتخابية، و صاروا بعد كل استحقاق يعلنون فائزين، و إن طرأ طاريء و أصابتهم عين حسود، فلن يستبدل سوى الإسم الشخصي، و مع ذلك فهم غير راضين عن توريث حل قبل أوانه .
واهم من يعتقد أن الاستحقاقات في بلادنا ستغير شيئا، و مغرق في السذاجة من مازال بيننا يعتبر أن اللون السياسي في حد ذاته أمارة على الخلاص و التخليق و الحكامة الجيدة، فلم يعد اليوم و في ظل الممارسات السياسية المكرورة في الإمكان، التمييز بين الصالح و الطالح في قبيلة المتحزبين و السياسيين المغاربة، فالنزيه لما يخالط الفاسد سيفسد جزئيا أو كليا، تماما كالمياه العذبة فهي لما تمتزج بالمالحة تملح بلا منازع و بلا ريب .
قد يعترض بعض المنختبين من الصف النزيه على هذا التشبيه، و قد يدعون أنهم يسلون أنفسهم من هذا العجين، لكن لما نعود لتجاربهم كأغلبية و مسيرين و نقف على اختلالات يندى لها الجبين، يلجؤون للتبريرات الخاوية، و قد يصلون إلى انتقاد القوانين الانتخابية و العلاقة غير المتكافئة مع سلطة الوصاية، و قد يوظفون مصطلحات غليظة كالتغول و البلوكاج، غير أنهم لا ينتقدون أحزابهم التي رمت بهم في أتون لعبة قذرة، و لا هم امتلكوا شجاعة تقديم استقالتهم، و هي شيء قلما حدث في بلادنا، بل نرى أن بعضهم يقسم بأغلظ الأيمان أن لا يعود، و هذه و التوبة، و لكنه يتمادى و لا يتوب، و يصر على وصف نفسه بالنزيه و هو منغمس في الوحل إلى أذنيه، و إذاك لا يجد الناخب من تفسير لهذه الظاهرة سوى في الرغبة من الاستفادة من الريع، فالعضوية في المكتب تدر دخلا اضافيا و تمنح مكاسب مادية و مغانم أخرى، قد تكون هي مسوغ الصبر على مفارقات يمكن أن تصل إلى حد الازدواجية الشخصية .
هذه الرؤية المتشائمة لها ما يبررها و لا يمكن القطع معها سوى باعتماد أساليب أخرى و أهمها :
- تجديد حقيقي للنخب و لا يتأتى ذلك سوى بمسح للأسماء العائلية للأسر التي ظلت تستحوذ على كراسي الشأن العام بأساليب تمس النزاهة و المصداقية، و لو لفترة ولاية أو ولايتين، و أتذكر أن رئيس مجلس جهة درعة تافيلالت السابق قد تحدى النخبة السياسية بأن يقدموا جميعا الاستقالة و يحجموا على الترشح، و الانسحاب من المعترك السياسي، لكن لا أحد تجرأ حتى على مجرد التعبير عن رأيه .
- العلاقة غير المتكافئة بين المنتخب و المعين، و تحكم الأخير و سيادته المطلقة على تدبير الشأن العام، مع ما ظل يرافق ذلك من خروقات للقانون، لكن الاعلام ظل يركز على رؤساء الجماعات و المنتخبين و لا يجرؤ على الاقتراب من عرين الوالي و الباشا و القائد و غيرهم .
- التعددية الحزبية و الاختلاف في الرؤى و التصورات و البرامج لم تعد موجودة، فما يسطر في البرنامج الانتخابي لا يطبق و يبرر بالتحالفات التي تلغيه، و الأحزاب التي تحترم نفسها، تشارك على ضوء برنامج متقاطع يلبي عددا كبيرا من الوعود، و يحترم ذكاء الناخب و لا يخونه في أول محطة .






