ذ.اسليماني مولاي عبد الله يكتب: قرارTAS محكمة التحكيم الرياضي بشأن العداء الكيني رونكس كيبروتو

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في عالم تتقاطع فيه الرياضة مع القانون والاقتصاد والسياسة، لم تعد المنافسة مجرد أداء بدني أو إنجاز رقمي، بل أصبحت مجالًا معقدًا تحكمه قواعد صارمة وآليات رقابية دقيقة تهدف إلى حماية النزاهة وضمان تكافؤ الفرص. وفي هذا السياق، يبرز قرار محكمة التحكيم الرياضي (TAS) الصادر بتاريخ 16 أبريل 2026، والمتعلق بتقليص مدة توقيف العداء الكيني رونكس كيبروتو من ست سنوات إلى خمس سنوات، كحالة نموذجية تعكس التوازن الدقيق بين صرامة العقوبة ومبدأ التناسب في القانون الرياضي الدولي.
إن هذا القرار لا يمكن فهمه بمعزل عن التحولات الكبرى التي شهدها النظام الرياضي العالمي، حيث أصبحت مكافحة المنشطات إحدى الركائز الأساسية لضمان مصداقية المنافسات. وقد أظهرت هذه القضية بوضوح مدى تعقيد الإثبات في جرائم المنشطات، خاصة عندما يتعلق الأمر بجواز السفر البيولوجي للرياضي، الذي يعتمد على تحليل طويل الأمد للمؤشرات البيولوجية للكشف عن أي تلاعب محتمل. فالمحكمة، بعد دراسة معمقة للمعطيات العلمية وآراء الخبراء، خلصت إلى وجود تلاعب دموي يشكل خرقًا صريحًا لقواعد مكافحة المنشطات، وهو ما يعكس اعتمادًا متزايدًا على الأدلة العلمية في بناء القناعة القضائية.
غير أن الأهمية الحقيقية لهذا القرار تكمن في معالجته لمسألة العقوبة، حيث لجأت هيئة التحكيم إلى إعادة تقييم الظروف المشددة التي استندت إليها الجهة التأديبية. وهنا يتجلى بوضوح مبدأ التناسب، باعتباره أحد المبادئ الأساسية في النظرية القانونية، والذي يقتضي أن تكون العقوبة ملائمة لخطورة الفعل المرتكب دون إفراط أو تفريط. فبدل الإبقاء على العقوبة الأصلية المكونة من ست سنوات، اعتبرت المحكمة أن الظروف المشددة تبرر سنة إضافية فقط بدل سنتين، مما أدى إلى تخفيض العقوبة إلى خمس سنوات، في تأكيد على أن العدالة لا تقتصر على الإدانة، بل تشمل أيضًا ضبط الجزاء وفق معايير موضوعية.
ومن زاوية اقتصادية، فإن مثل هذه القضايا تعكس الأبعاد المالية العميقة للرياضة الاحترافية، حيث يمكن لقرار توقيف أن يترتب عنه خسائر ضخمة تتعلق بالعقود والرعاية والعوائد التجارية. فالرياضة اليوم تمثل صناعة قائمة بذاتها، وأي مساس بنزاهتها يؤثر بشكل مباشر على ثقة المستثمرين والجمهور، وهو ما يفسر تشدد الهيئات الدولية في تطبيق قواعد مكافحة المنشطات، باعتبارها ضمانة لاستدامة هذا القطاع الحيوي.
أما على المستوى الاجتماعي، فإن هذه القرارات تلعب دورًا تربويًا مهمًا، إذ ترسخ قيم النزاهة والانضباط لدى الرياضيين، وتبعث برسالة واضحة مفادها أن التفوق لا يمكن أن يتحقق خارج إطار القواعد. كما أنها تعزز ثقة الجمهور في المؤسسات الرياضية، خاصة عندما يلمس وجود قضاء مستقل قادر على مراجعة القرارات وتصحيحها عند الاقتضاء.
وفي هذا الإطار، تبرز محكمة التحكيم الرياضي كفاعل محوري في الحوكمة الرياضية العالمية، حيث تؤدي دورًا قضائيًا متخصصًا يضمن توحيد الاجتهادات وتحقيق الأمن القانوني في المجال الرياضي. وقد أظهرت هذه القضية أن المحكمة لا تكتفي بتأييد القرارات التأديبية، بل تمارس رقابة حقيقية على مدى احترامها لمبادئ العدالة، خاصة مبدأي الشرعية والتناسب.
إن هذه النازلة تعكس في جوهرها التفاعل بين ثلاث مدارس فكرية؛ المدرسة القانونية التي تؤكد على سيادة النص وتطبيق القواعد، والمدرسة الاقتصادية التي تنظر إلى الرياضة كقطاع إنتاجي يتطلب الاستقرار والثقة، والمدرسة الاجتماعية التي تركز على القيم والأخلاقيات. ومن خلال هذا التداخل، تتشكل منظومة متكاملة تسعى إلى تحقيق التوازن بين الردع والإنصاف.
ويمكن القول إن قرار محكمة التحكيم الرياضي في قضية رونكس كيبروتو يجسد تطور العدالة الرياضية نحو مزيد من النضج والاحترافية، حيث لم يعد الهدف مجرد معاقبة المخالف، بل ضمان عدالة متوازنة تحترم حقوق الأطراف وتخدم مصلحة الرياضة ككل. وهو ما يفتح آفاقًا أوسع لتعزيز الثقة في المنظومة الرياضية الدولية، ويؤكد أن العدالة، حتى في الميدان الرياضي، تظل حجر الزاوية في بناء مستقبل قائم على النزاهة والاستحقاق.






