منبر الجهة8

ذ. اسليماني مولاي عبد الله يكتب: اقتصاد المضغ… علكة أو مسكة بمليارات الدولارات وفاتورة بيئية لا تنتهي

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

قد تبدو العلكة قطعة صغيرة لا تستحق أكثر من دقائق من المضغ، لكن خلف هذه القطعة البسيطة توجد صناعة عالمية بمليارات الدولارات، وسلاسل لإنتاج السكر والمحليات والمنكهات والبوليمرات والتغليف والتوزيع والإشهار، وفي الجهة المقابلة توجد كلفة بيئية ومالية لا تظهر على ثمن العلبة التي يشتريها المستهلك.

أحدث تقديرات Fortune Business Insights تضع قيمة سوق العلكة العالمي عند نحو 15.11 مليار دولار سنة 2025، مع توقع بلوغه حوالي 24.07 مليار دولار بحلول 2034. والأرقام تختلف بين مؤسسات الدراسات بحسب تعريف السوق والمنتجات الداخلة فيه، لكن المؤكد أن الأمر لم يعد مجرد حلوى صغيرة قرب صندوق المتجر، بل نشاط اقتصادي عالمي ضخم قائم على الاستهلاك المتكرر وهوامش التوزيع والتسويق والابتكار في العلكة الخالية من السكر والمنتجات الوظيفية.

غير أن المفارقة تبدأ عندما ننظر إلى ما نمضغه نفسه. فـقاعدة العلكة Gum Base ليست بالضرورة المادة النباتية التقليدية التي عرفها الإنسان قديماً. الأنظمة الغذائية الأمريكية تسمح باستخدام بعض البوليمرات في قاعدة العلكة؛ وتدرج إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، على سبيل المثال، Polyvinyl Acetate باعتباره مادة تستعمل للمضغ، كما تشير اللوائح إلى استخدامات مرتبطة بقاعدة العلكة لبعض أنواع البولي إيثيلين. وهذا لا يعني أن «العلكة بترول نأكله»، وهي عبارة غير دقيقة علمياً، لكنه يعني أن جزءاً من الصناعة الحديثة يعتمد على بوليمرات صناعية في إنتاج القاعدة المرنة التي تبقى بعد اختفاء السكر والنكهة.

وفي مارس 2025 أضافت أبحاث قُدمت في اجتماع الجمعية الكيميائية الأمريكية بعداً جديداً للنقاش. ففي دراسة تجريبية أجراها باحثون من UCLA على أنواع طبيعية وصناعية من العلكة، رُصد في المتوسط نحو 100 جسيم من البلاستيك الدقيق لكل غرام من العلكة، ووصلت بعض العينات إلى نحو 600 جسيم في الغرام. وقدّر الباحثون أن قطعة كبيرة قد تطلق ما يصل إلى نحو 3000 جسيم أثناء المضغ. لكن الأمانة العلمية تقتضي التأكيد أن الدراسة كانت أولية ومحدودة، وأن الباحثين أنفسهم أوضحوا أن الآثار الصحية لهذه الكميات على الإنسان لم تُحسم بعد.

المشكلة الاقتصادية الأكثر وضوحاً تبدأ، في الواقع، بعد أن يرمي المستهلك العلكة. قطعة تُشترى بثمن زهيد قد تحتاج إلى معدات وعمال ومواد تنظيف لإزالتها من الأرصفة والساحات ومحطات النقل. في بريطانيا وحدها، قدرت السلطات كلفة تنظيف مخلفات العلكة على المجالس المحلية بنحو 7 ملايين جنيه إسترليني سنوياً. ولهذا أطلقت الحكومة البريطانية مع كبار المصنعين برنامجاً خصص له المنتجون ما يصل إلى 10 ملايين جنيه على خمس سنوات لمكافحة رمي العلكة وتنظيف الشوارع. وفي يونيو 2025 خصصت دفعة أخرى بقيمة 1.2 مليون جنيه لأكثر من خمسين مجلساً محلياً، بعدما شملت عمليات سابقة تنظيف ملايين الأمتار المربعة من الأرصفة.

وهنا يظهر خلل اقتصادي يستحق الانتباه: الشركة تحقق الربح، المستهلك يحصل على المتعة، لكن جزءاً من كلفة نهاية حياة المنتج قد تنتقل إلى الجماعة والمال العام. الاقتصاد يسمي هذا النوع من الآثار «الكلفة الخارجية»؛ أي أن الثمن المدفوع في المتجر لا يعكس بالضرورة التكلفة الحقيقية التي قد يتحملها المجتمع لاحقاً في النظافة والصيانة والتدبير البيئي.

وهذه قضية تستحق النقاش في المغرب أيضاً. فالعلكة تباع يومياً في البقالات والأسواق الممتازة والمقاهي ومحطات الوقود، لكننا لا نتوفر على أرقام وطنية منشورة ودقيقة تسمح بالقول كم تنفق الجماعات المغربية تحديداً لإزالة مخلفاتها، لذلك سيكون من غير المهني اختراع رقم. إلا أن المشهد أمام المدارس والساحات والأرصفة ومحطات النقل يكفي لطرح السؤال: لماذا لا تتحمل المنتجات ذات الأثر المستمر جزءاً من تكلفة تدبير نفاياتها؟

الحل ليس منع العلكة، بل إدخالها في منطق الاقتصاد الدائري ومسؤولية المنتج والمستهلك: تشجيع قواعد علكة قابلة للتحلل فعلياً، تحسين شفافية المكونات، تقليل التغليف غير الضروري، وضع وسائل مخصصة للتخلص منها في الأماكن ذات الاستهلاك المرتفع، وتنظيم حملات تغير السلوك بدل الاكتفاء بتنظيف البقعة بعد ظهورها. التجربة البريطانية أظهرت أن الجمع بين التنظيف والتوعية أدى في بعض المواقع إلى انخفاض رمي العلكة بنسب وصلت إلى 80% خلال الشهرين الأولين.

العلكة إذن نموذج مصغر لاقتصاد الاستهلاك الحديث: نشتري المنتج في ثوانٍ، نستهلكه في دقائق، وقد تظل آثاره في المدينة والبيئة لسنوات. والسؤال الحقيقي لم يعد: كم ثمن قطعة العلكة؟ بل: من يدفع الثمن الكامل بعد أن تنتهي النكهة؟

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى