
حضور أكاديمي مغربي في واحدة من أبرز التظاهرات المسرحية العربية
يشارك الباحث والأكاديمي المغربي الدكتور يوسف أمفزع، أستاذ التعليم العالي بجامعة الحسن الأول، بكلية اللغات والفنون والعلوم الإنسانية بسطات، في فعاليات الدورة الجديدة من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي لسنة 2026، من خلال حضور علمي وفكري يجمع بين البحث الأكاديمي والترجمة والممارسة الثقافية.
ويندرج حضور الدكتور أمفزع ضمن المحور الفكري للمهرجان، عبر ندوة تحمل عنوان «جيو-التجريب المسرحي»، إلى جانب مساهمته المتواصلة ضمن فريق الترجمة التابع لمؤسسة المهرجان، في امتداد لمساره البحثي المهتم بقضايا المسرح والفكر والترجمة وتحولات الثقافة المعاصرة.
وينحدر الدكتور يوسف أمفزع من مدينة الرشيدية، التي شكلت فضاء نشأته وتكوينه الأول، في نموذج جديد للكفاءات العلمية والفكرية التي أنجبتها المنطقة وأسهمت في حضورها داخل الجامعات والمؤسسات الثقافية بالمغرب وخارجه.
من مهرجان أفينيون إلى أسئلة فلسفة المسرح
وفي سياق اهتمامه بالفكر المسرحي، يقدم الدكتور يوسف أمفزع للقارئ العربي عملا مترجما يحمل عنوان «في فلسفة المسرح: حوارات ومواقف على هامش مهرجان أفينيون»، وهو كتاب يفتح بابا واسعا أمام مساءلة المسرح من زواياه الفلسفية والجمالية والسياسية.
ويضم هذا الإصدار ترجمتين لعملين فرنسيين يلتقيان عند المسرح، لكنهما ينطلقان من رؤيتين مختلفتين إليه؛ يتعلق الأمر بكتاب «امتداح المسرح» للفيلسوف ألان باديو، وكتاب «على جسر أفينيون» للمفكر والميديولوجي ريجيس دوبري.
ولا يظهر مهرجان أفينيون، من خلال هذين النصين، باعتباره مجرد موعد فني أو احتفالي، بل يتحول إلى مجال لتأمل التحولات العميقة التي مست الذائقة الجمالية ووظيفة الثقافة وعلاقة الإنسان بالفنون، في عالم تتسارع فيه التحولات التقنية وتفرض فيه الوسائط الجديدة أنماطا مختلفة للاستهلاك والتلقي.
ألان باديو.. المسرح باعتباره فضاء للحقيقة
يرى الفيلسوف ألان باديو في المسرح فنا أساسيا ومختبرا حيا لإنتاج التفكير، حيث تتقاطع داخله اللغة والجسد والممثل والمتفرج والزمن، لتتحول الخشبة إلى فضاء تتولد فيه أسئلة الحقيقة والمعنى.
ومن هذا المنطلق، يدافع باديو عن خصوصية المسرح في مواجهة صعود صناعة الترفيه ومنطق الاستهلاك الثقافي، مؤكدا قدرة هذا الفن على ملامسة قضايا إنسانية كبرى، من الحب والسياسة إلى العدالة والحرب والموت.
ويحافظ المسرح، وفق هذه الرؤية، على تميزه من خلال تجربة الحضور المشترك التي تجمع الفكر بالجمال، وهي تجربة يصعب اختزالها في الصورة الرقمية أو استبدالها بالكامل بأشكال التلقي التي فرضتها الشاشات والوسائط الحديثة.
ريجيس دوبري وذاكرة أفينيون المتحولة
أما ريجيس دوبري، فيقترب من المسرح عبر الذاكرة والتحليل الثقافي والميديولوجي، مستعيدا تجربة مهرجان أفينيون من خلال مقارنة بين مرحلتين متباعدتين: أفينيون سنة 1956 في زمن جان فيلار، وأفينيون سنة 2005، في سياق ثقافي وجمالي مختلف بشكل عميق.
ومن خلال هذه المقارنة، يرصد دوبري التحول الذي عرفه المسرح، من تجربة كانت قادرة على خلق إحساس قوي بالانتماء الجماعي، إلى مشهد ثقافي أكثر تشظيا وتعددا.
ولا يتوقف الأمر عند حدود الحنين إلى زمن مسرحي مضى، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة أزمة رمزية أوسع تمس الثقافة المعاصرة ومؤسساتها، وتطرح سؤالا مركزيا حول مستقبل الفن الحي في زمن أصبحت فيه الشاشة والهاتف والتحولات الرقمية منافسا مباشرا للمؤسسات الثقافية التقليدية.
الترجمة باعتبارها حوارا داخل الثقافة العربية
ولا تقتصر أهمية هذا العمل على نقل نصين من اللغة الفرنسية إلى العربية، بل تتجاوز ذلك إلى محاولة فتح حوار جديد داخل الثقافة العربية حول المسرح وأسئلته الكبرى.
فمن خلال صوت ألان باديو، يجد القارئ نفسه أمام تصور فلسفي يرى في المسرح مجالا للحقيقة والتفكير الجماعي، بينما يقدم صوت ريجيس دوبري قراءة مختلفة تنشغل بذاكرة المسرح وتحولات وسائطه وجمهوره ومكانته داخل المجتمع المعاصر.
وبذلك تتحول الترجمة إلى ممارسة ثقافية وفكرية، تسهم في إعادة طرح أسئلة المسرح العربي على ضوء تجارب فكرية وفنية عالمية.
برنار ماري كولتيس.. صوت الهامش والجنوب
ويتواصل حضور الدكتور يوسف أمفزع داخل مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي من خلال اهتمامه بتجربة الكاتب المسرحي الفرنسي برنار ماري كولتيس، أحد أبرز الأصوات في المسرح الفرنسي المعاصر.
وتتميز تجربة كولتيس بقدرتها على الاقتراب من الإنسان المهمش والمقهور، ومن قضايا الآخر والجنوب والعمق الإفريقي، إلى جانب مساءلتها للعلاقات المعقدة بين الذات الأوروبية والآخر في سياقاتها التاريخية والاستعمارية.
وتكشف أعماله عن كتابة درامية تجعل من اللغة نفسها فضاء للصراع، وتضع الإنسان أمام أسئلة الهوية والرغبة والعزلة والعلاقات غير المتكافئة بين الأفراد والثقافات.
«العودة إلى الصحراء».. العائلة في مواجهة الذاكرة والاستعمار
ضمن النصوص التي يقدمها هذا المشروع الترجماتي، تبرز مسرحية «العودة إلى الصحراء»، التي تجعل من البيت العائلي فضاء لمواجهة تتقاطع فيها الذاكرة والاستعمار والعلاقات الأسرية.
وتعود شخصية ماتيلد إلى الجزائر بعد سنوات طويلة من الغياب، لتدخل في صراع مع شقيقها أدريان حول ملكية البيت والعائلة والماضي، غير أن هذا النزاع يتجاوز حدوده الشخصية ليكشف عن تاريخ مشترك لم تتم تسوية جراحه وأسئلته.
«المرفأ الغربي».. شخصيات عند حدود المدينة
وفي نص «المرفأ الغربي»، ينقل كولتيس القارئ إلى عالم هامشي يقع عند تخوم مدينة أوروبية، حيث تتقاطع مصائر الهاربين والمهمشين والعابرين داخل فضاء مستودع مهجور.
وتتطور الأحداث من خلال حضور شخصيات تحمل توترات اجتماعية وإنسانية عميقة، فيما يصبح المكان نفسه مجالا لاختبار العلاقات المضطربة بين المختلفين.
ويبرز حضور شخصية عباد، الرجل الأسود القادم من مكان غامض، بوصفه عنصرا يربك التوازن القائم، دون أن يتحول لونه إلى مجرد علامة سياسية مباشرة، بل إلى حضور استثنائي يهز استقرار المكان والعلاقات التي تتشكل داخله.
«في عزلة حقول القطن».. عندما يصبح الكلام ساحة للصراع
أما نص «في عزلة حقول القطن»، فيقوم على لقاء غامض بين شخصيتين في فضاء ليلي، هما ديلر والزبون.
وينطلق الحوار من احتمال وجود صفقة أو رغبة أو حاجة، قبل أن يتحول إلى سلسلة من الأسئلة والمراوغات والاتهامات المتبادلة، حيث يصبح الكلام نفسه مركز الصراع.
ولا يقدم كولتيس إجابة نهائية عن طبيعة الرغبة أو موضوع الصفقة، بل يترك العلاقة معلقة بين الاقتراب والابتعاد، وبين الإغراء والتهديد، لتتحول اللغة إلى فضاء مفتوح لاحتمالات متعددة.
«الإرث» و«أصوات مكتومة».. ذاكرة تبحث عن الاعتراف
ويحضر النص الإذاعي «الإرث» من خلال مساءلة العلاقة التي تربط الإنسان بماضيه، حيث لا يقتصر الإرث على الممتلكات المادية، بل يمتد إلى الذاكرة والعلاقات والديون الرمزية التي يتركها الغائبون.
وتجد الشخصيات نفسها أمام ما خلفه الآخرون، لتتحول مسألة التملك إلى سؤال حول الهوية والانتماء وموقع الفرد داخل شبكة من الروابط التي يصعب الانفصال عنها.
أما نص «أصوات مكتومة»، فيكشف عن عالم تتجاور داخله الرغبة والعزلة وسوء الفهم، حيث يصبح الكلام محاولة غير مكتملة للوصول إلى الآخر.
وتتشكل الشخصيات من خلال ما تقوله بقدر ما تتشكل أيضا مما تخفيه، ليكتسب الصمت أهمية موازية للحوار، بينما تظل المسافة قائمة بين الشخصيات رغم استمرار محاولات التواصل.
ترجمة النص المسرحي.. البحث عن الجسد الكامن في اللغة
وتمنح هذه الترجمات القارئ والمسرحي العربي فرصة الاقتراب من تجربة كتابية جعلت اللغة جزءا أساسيا من الفعل المسرحي، وحولت الحوار إلى بنية إيقاعية تتشكل داخلها الصراعات والعلاقات والرغبات.
وتكمن خصوصية كتابة برنار ماري كولتيس في قدرته على جعل الكلام قوة مسرحية قائمة بذاتها، حيث تتحرك الجملة وتراوغ وتتردد وتنحرف، لتكشف عبر إيقاعها وتوترها الداخلي عما لا تستطيع الدلالة المباشرة التعبير عنه.
ومن هنا، تصبح ترجمة نصوصه عملا يتجاوز النقل اللغوي التقليدي، إذ يفرض على المترجم إعادة اكتشاف موسيقى اللغة وأنفاسها وإيقاعاتها ومسافاتها، حتى يحتفظ النص بقدرته على الحياة فوق الخشبة.
وتتحول الترجمة، في هذا السياق، إلى ممارسة دراماتورجية قائمة على الإصغاء إلى الجسد الكامن داخل اللغة، وإلى العلاقة الدقيقة بين القول والصمت، وبين الكلام والفعل، في تجربة ثقافية تجمع البحث الأكاديمي بالفكر المسرحي وتفتح جسورا جديدة بين الثقافة العربية والتجارب المسرحية العالمية.







