حين يُفرَّغ التكوين العمومي من مضمونه…ملاحظات حول صفقة تكوين موظفي مجلس جهة درعة تافيلالت ب68 ألف درهم

فتح مجلس جهة درعة تافيلالت، مؤخرا، أظرفة صفقة طلب عروض مفتوح مبسط رقم 17/RDT/2025، يهم تنظيم دورات تكوينية وتعزيز القدرات لفائدة موظفي المجلس برسم سنة 2025، وذلك في إطار مواكبة تنزيل ورش الجهوية المتقدمة والرفع من كفاءة الموارد البشرية الجهوية، حيث رست على كلفة تقدر ب 68 ألف و 400 درهم.
وتبرز هنا ملاحظة جوهرية، حسب مراقبون، تتعلق بالمقارنة بين كلفة تكوين المنتخبين وكلفة تكوين الموظفين، إذ تتجاوز الأولى الـ86 مليون سنتيم، مع الاستقبال والاطعام والمبيت يقدر بأزيد من 100 مليون سنتيم، و الثانية حدد لها مبلغ تقديري يبلغ 67 الف درهم، وهو فارق كبير يعكس اختلالا واضحا في توزيع الاعتمادات وفي تقدير المسؤوليات والعوائد على العمل التنموي، إذ أن الموظفون يعتبرون العمود الفقري للإدارات الترابية، يضمنون استمرارية المرفق العمومي ويشكلون الذاكرة الإدارية والتقنية للجماعات، بغض النظر عن تعاقب الولايات الانتدابية وتغير المجالس المنتخبة. وتكوين هذه الفئة يكتسي أهمية بالغة، ليس فقط لتحسين جودة الخدمات المقدمة للمجال والإنسان. في المقابل، يبقى المنتخبون مرتبطين بزمن انتخابي محدد، ما يجعل أثر تكوينهم محدودا زمنيا، خصوصا إذا جاء هذا التكوين في نهاية الولاية الانتدابية، حيث تقل جدواه العملية.
ووفق دفتر الشروط الخاصة، تشمل الصفقة حصة واحدة، وتهدف إلى تنظيم مجموعة من الدورات التكوينية الحضورية، ويتضمن البرنامج التكويني عدة محاور، من بينها؛ التكوين في الإعلاميات (Word وExcel 2016) لفائدة ما مجموعه 30 مستفيدا موزعين على دورتين، والتكوين في الصفقات العمومية (15 مستفيدا) و تدبير الموارد البشرية والتدبير التوقعي للكفاءات (16 مستفيدًا)، و التدبير الإداري والكتابة الإدارية، والتدبير القضائي للنزاعات الإدارية، والتدبير والتسيير (Management)، والافتحاص الداخلي والحكامة.
وحسب دفتر التحملات دائما، فإن الشركة نائلة الصفقة، سيكون عليها اثبات انجاز خدمة التكوين لمدة 24 ساعة، كل يوم، باعتبار أن الدفتر، يتحدث عن وحدة قياس الخدمة ب”اليوم”وليس بالساعات كما هو معمول به في هذا النوع من الخدمات (التكوين)، ولم يتم تحديد عدد ساعات التكوين في اليوم وبالنسبة لكل محور على حدة، بالإضافة إلى ذكر كلمة “Agent” و هي مرادف كلمة “مستخدم” وليس “موظف” كما هو الحال في عنوان الصفقة وفي الفئة المستهدفة، ما يؤكد أن ادارة المجلس اعتمدت على “نسخ ولصق” دفتر تحملات من وكالة ما، بدل تحريك المادة الرمادية قليلا وانتاج دفتر تحملات يتلاءم والمطلوب والفئة المستهدفة.
ويثير دفتر الشروط الخاصة (CPS) المتعلق بصفقة تنظيم دورات تكوين وتقوية القدرات لفائدة موظفي مجلس جهة درعة–تافيلالت برسم سنة 2025، جملة من الملاحظات القانونية والتقنية والمنهجية التي تستدعي التوقف عندها، خاصة في ظل الرهانات المرتبطة بجودة التكوين العمومي وحسن تدبير المال العام، حيث تتعلق أولى الملاحظات الجوهرية باعتماد CCAG-EMO كمرجع إداري عام للصفقة، رغم أن موضوعها يهم التكوين والخدمات البشرية وليس الدراسات أو مهام الإشراف. هذا الاختيار يطرح إشكالا قانونيا حقيقيا، لأن CCAG-EMO صمم لصفقات ذات طبيعة تقنية وهندسية، تقوم على منطق “المنتوج الفكري” والمسؤولية التقنية، وهو منطق لا ينسجم مع طبيعة التكوين الذي يقوم على التفاعل البشري والبعد البيداغوجي، ما قد يفتح الباب أمام طعون محتملة أو صعوبات في التنفيذ والتأويل.
ثاني الملاحظات، أن الدفتر لا يتضمن أية شبكة تنقيط تقنية أو معايير موضوعية لتقييم العروض، ما يجعل الصفقة عمليا محكومة بمنطق الكلفة المالية بدل أفضل عرض بيداغوجي. وهو توجه مقلق في مجال التكوين، حيث تشكل جودة الخبراء، المنهجية البيداغوجية، والمحتوى العلمي عناصر حاسمة لا يمكن اختزالها في الكلفة المالية، كما أن توصيف الدورات التكوينية جاء سطحيا في كثير من المحاور، إذ تم تخصيص يوم واحد فقط لمواضيع معقدة وحساسة مثل الصفقات العمومية، المنازعات الإدارية، أو التدقيق الداخلي، وهو ما يطرح تساؤلات حول جدية الأثر المنتظر من هذه التكوينات.
ثالث هذه الملاجظات، حيث يفرض CPS على الشركة نائلة الصفقة، حزمة واسعة من الالتزامات اللوجستية والتنظيمية (معدات، تصوير، تقارير مفصلة، مفاتيح USB، حقيبة بيداغوجية، كتاب أكاديمي شامل…) دون تحديد دقيق لمواصفاتها أو ربطها بشكل واضح بالكلفة المالية. هذا الأمر يُخلّ بالتوازن التعاقدي ويجعل المخاطر مركزة على الشركة نائلة الصفقة، بشكل مبالغ فيه.
رابع هذه الملاحظات، حين ينص الملف على منع المناولة بشكل كلي، دون تعليل مقنع، رغم أن مجال التكوين بطبيعته يعتمد على خبراء متخصصين في مجالات متعددة. هذا المنع قد يفسر كتقييد غير مبرر للمنافسة، ويقصي مكاتب ذات كفاءة تعتمد شبكات من المكونين، حيث جاء في التعليل:” باعتبار أن موضوع هذه الصفقة يُشكّل وحدة غير قابلة للتجزئة”، و هذا تعليل غير قانوني وضعيف، كون أن التكوين بطبيعته يسمح بالخبراء المتخصصين، و المنع الكلي يقصي مكاتب محترفة تعتمد شبكة خبراء.
و لا يخلو الملف من أخطاء لغوية وإملائية من قبيل lexte بدل texte و anisi بدل ainsi و Indroduction بدل Introduction و poces بدل puces، وتكرار غير مبرر لبعض العناوين والمقتضيات القانونية، إضافة إلى غياب توحيد المصطلحات (prestataire، contractant، entrepreneur…)، وضعف ف الاخراج والتحرير، ورغم أن هذه الملاحظات قد تبدو شكلية، فإنها تضعف المصداقية العامة للوثيقة وتعكس غياب المراجعة الدقيقة، حيث يظهر هذا الملف في مجمله، مثقلاً بالنصوص، لكنه ضعيف من حيث الرؤية والمنهجية. فهو يركز على الجوانب الشكلية والعقابية أكثر من تركيزه على جودة التكوين وأثره، ويعاني من اختلالات قانونية وتقنية قد تؤثر سلبا على حسن تنفيذ الصفقة وتحقيق أهدافها.






