منبر الجهة8

مولاي الحسن الصوصي يكتب: انتخابات 2026.. من يحرس إرادة الناخب؟

بقلم: مولاي الحسن الصوصي

ليست الانتخابات مجرد موعد محدد في أجندة الدولة، ولا هي سباق موسمي بين الأحزاب والمرشحين، بل هي في جوهرها لحظة تختبر فيها الديمقراطية قدرتها على التعبير الحقيقي عن إرادة المواطنين.

ومن هذه الزاوية تحديدًا، تكتسب انتخابات 23 شتنبر 2026 أهمية استثنائية. فالمغرب يدخل هذا الاستحقاق في ظرف وطني وإقليمي ودولي شديد الحساسية، تتداخل فيه رهانات التنمية، والتماسك المجتمعي، والتحولات الرقمية، وتحديات الذكاء الاصطناعي، فضلًا عن القضايا الكبرى المرتبطة بمستقبل البلاد ووحدتها الترابية ومكانتها الإقليمية والدولية.

لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يفرض نفسه اليوم ليس فقط: كيف ستُنظم انتخابات 23 شتنبر 2026؟ بل السؤال الأهم هو: كيف سنحمي إرادة الناخبين من كل ما يمكن أن يشوش عليها أو يفرغها من مضمونها؟

من حماية الصندوق إلى حماية المسار

لقد مرّ المشهد الانتخابي المغربي، على امتداد عقود، بتحولات عميقة. عرف فترات كان فيها الصراع السياسي مرتبطًا بمواجهة الاستعمار وتدعيم المشروع الوطني، كما عرف مراحل طبعتها ممارسات انتخابية أضعفت الثقة، ثم جاءت مرحلة المال الانتخابي وما رافقها من مظاهر أفسدت، بدرجات متفاوتة، صورة العمل السياسي وموقع الأحزاب في المجتمع.

لكن استحضار الماضي لا ينبغي أن يكون من أجل اجتراره، وإنما من أجل استخلاص الدروس.

فالديمقراطية لا تُبنى فقط بالنصوص القانونية، ولا تُقاس بعدد مكاتب التصويت أو عدد المرشحين، وإنما تُقاس بمدى قدرة المواطن على الوصول إلى صندوق الاقتراع وهو مطمئن إلى أن صوته لن يخضع للبيع أو الابتزاز أو التوجيه أو التلاعب.

ومن هنا، فإن حماية الانتخابات يجب ألا تختزل في تأمين مراكز الاقتراع يوم التصويت.

الحماية تبدأ قبل ذلك بكثير.

تبدأ من طريقة اختيار المرشحين، ومن شفافية التمويل، ومن نزاهة الحملات، ومن احترام قواعد المنافسة، ومن قدرة المؤسسات على مواجهة التجاوزات، وتمتد إلى يوم الاقتراع وفرز الأصوات وإعلان النتائج والتعامل الجدي والسريع مع الطعون.

المال.. عندما يتحول الصوت إلى سلعة

لا يمكن الحديث عن نزاهة الانتخابات دون التوقف عند ظاهرة المال الانتخابي.

فحين يتحول صوت المواطن إلى سلعة، تتحول الديمقراطية نفسها إلى سوق، ويصبح النفوذ المالي قادرًا على منافسة البرامج والأفكار، بل وعلى إقصائها أحيانًا.

والخطر هنا لا يتعلق فقط بشراء الأصوات بصورة مباشرة، وإنما أيضًا بكل أشكال استغلال الحاجة الاجتماعية، وتوظيف النفوذ، وتقديم الوعود غير الواقعية، واستعمال الوسائل المادية للتأثير في اختيارات الناخبين.

ولهذا فإن مراقبة مصادر التمويل والإنفاق الانتخابي ليست مسألة تقنية هامشية، بل هي جزء أساسي من حماية القرار السياسي للمواطن.

الأحزاب أمام امتحان الثقة

غير أن مسؤولية حماية الانتخابات لا تقع على الدولة وحدها.

الأحزاب السياسية مطالبة، قبل غيرها، بأن تبدأ عملية الإصلاح من داخلها. فلا يمكن لحزب أن يدافع عن الديمقراطية في المجتمع بينما لا يمارسها في هياكله الداخلية.

إن اختيار المرشحين على أساس الولاء الشخصي، أو العلاقات الضيقة، أو منطق الزبونية، أو القدرة المالية، يبعث رسالة سلبية إلى المواطن ويعمق أزمة الثقة في المؤسسات الحزبية.

المطلوب اليوم أحزاب تستعيد السياسة من براثن التفاهة، وتعيد الاعتبار للبرنامج والكفاءة والنقاش العمومي، وتقدم للمواطن مشروعًا سياسيًا واضحًا بدل الاكتفاء بالشعارات الانتخابية.

الإعلام في مواجهة التضليل

هناك طرف آخر سيكون له تأثير كبير في انتخابات 2026: الإعلام.

لقد تغيرت قواعد اللعبة.

لم تعد المعلومة تمر فقط عبر الصحيفة أو الإذاعة أو التلفزيون، بل أصبحت تنتشر خلال ثوانٍ عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية.

وهنا تبرز مسؤولية الإعلام المهني في التحقق من الأخبار، وكشف الأخبار الزائفة، وتفكيك حملات التضليل، والتمييز بين النقد السياسي المشروع وبين حملات التشويه المنظمة.

فالمجتمع الذي لا يملك إعلامًا يقظًا قد يجد نفسه أمام انتخابات تُحسم أحيانًا ليس بالبرامج، وإنما بقوة الإشاعة وسرعة انتشارها.

المواطن.. الحارس الأخير

ومع ذلك، تبقى هناك حقيقة لا ينبغي تجاهلها:

لا يمكن حماية الانتخابات إذا لم يشارك المواطن نفسه في حمايتها.

المواطن الذي يرفض بيع صوته، والذي يسأل عن البرنامج بدل السؤال عن المقابل، والذي يراقب ويبلغ عن الخروقات بالطرق القانونية، هو شريك أساسي في بناء انتخابات نزيهة.

بل إن أخطر ما يمكن أن يصيب العملية الانتخابية ليس فقط تزوير ورقة الاقتراع، وإنما الوصول إلى مرحلة يفقد فيها المواطن ثقته في جدوى المشاركة، فينسحب من المجال السياسي ويترك الساحة لمن يملك المال أو النفوذ أو القدرة على التأثير.

العزوف، حين يصبح نتيجة لفقدان الثقة، يمكن أن يتحول بدوره إلى شكل من أشكال إفراغ الإرادة الشعبية من مضمونها.

الدولة مطالبة بالضمان.. والمجتمع مطالب بالمراقبة

الدولة، بمؤسساتها المختلفة، تبقى صاحبة المسؤولية الأساسية في توفير الشروط القانونية والمؤسساتية التي تضمن انتخابات نزيهة وشفافة.

لكن الدولة القوية ليست هي التي تقول للمواطن إن الانتخابات نزيهة، بل هي التي توفر له من الآليات والضمانات ما يسمح له بالتأكد بنفسه من نزاهتها.

وهذا يقتضي يقظة إدارية، ورقابة فعالة، وقضاء انتخابيًا قادرًا على الحسم في الطعون، وتطبيقًا صارمًا للقانون على الجميع دون تمييز.

وفي المقابل، فإن المجتمع المدني والنقابات والإعلام والأحزاب والمواطنين مطالبون بأن يكونوا شركاء في هذه العملية، كل من موقعه، بعيدًا عن الحسابات الضيقة.

23 شتنبر 2026.. فرصة لتجديد الثقة

إن انتخابات 23 شتنبر 2026 ينبغي ألا تكون مجرد محطة جديدة تضاف إلى سجل الاستحقاقات الانتخابية المغربية.

إنها فرصة لتجديد الثقة بين المواطن والمؤسسات، وفرصة لإثبات أن المغرب قادر على الانتقال من مرحلة الحديث عن الديمقراطية إلى ترسيخ ممارستها في تفاصيل الحياة السياسية اليومية.

لقد تغير العالم، وتغير المواطن، وتغيرت وسائل التأثير.

ولم يعد ممكنًا أن نتعامل مع الانتخابات بعقلية الماضي، في وقت أصبحت فيه المعلومة أسرع من القرار، وأصبحت فيه المنصات الرقمية قادرة على صناعة رأي عام خلال ساعات.

لذلك، فإن المعركة الحقيقية في انتخابات 2026 لن تكون فقط حول من سيفوز بالمقاعد، وإنما حول كيف سنضمن أن تكون تلك المقاعد تعبيرًا حقيقيًا عن إرادة المواطنين؟

ذلك أن حماية الانتخابات ليست مهمة رجل سلطة، ولا مسؤولية حزب، ولا مهمة إعلامي، ولا دور جمعية أو مراقب فقط.

إنها مسؤولية جماعية.

وفي نهاية المطاف، فإن السؤال سيبقى مطروحًا أمام الجميع:

من سيحرس إرادة الناخب يوم 23 شتنبر 2026؟

والجواب الحقيقي لن تصنعه الشعارات، وإنما ستصنعه الممارسة، والشفافية، والصرامة في تطبيق القانون، ووعي المواطن، وإرادة سياسية تجعل من صوت الناخب أمانة لا يجوز العبث بها.

بلحسن الصوصي

مدير نشر

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى