رئيس الجهة..مهندس الخواء السياسي: حين يُنتدَب “التكنيسيان” لمسح الأثر وشغل الفراغات

في علم الفيزياء، الفراغ تمؤوه الغازات، وفي علم الإدارة الإقليمية، تُملأ الكراسي بمن يُتقن فنّ الإذعان. لم تكن القصة يوماً قصة زعامة حزبية أو رؤية سياسية تنموية لجهة بحجم درعة تافيلالت، بل هي حكاية موظف تقني (تكنوقراط) قاده التدرج السلس في الإدارة والمكافآت السخية لقاء خدمات مجهولة، إلى أن يجد نفسه فجأة في قلب معترك سياسي أكبر من مقاسه بكثير.
المشهد لا يخلو من الكوميديا السوداء؛ فنحن أمام شخص يشغل حاليا منصب رئيس مجلس الجهة، لكنه يعد النشاز الوحيد بين نظرائه في باقي جهات المملكة. فبينما يجلس رؤساء الجهات في المكتب السياسي لأحزابهم كقيادين يصنعون القرار، يقف رئيسنا محظورا من دخول المركزية الحزبية، لا كاريزما تسعفه، ولا شخصية تسنده، ولا قدرة له على تركيب جملة مفيدة واحدة دون الالتصاق التام بالورقة، وحتى حين قرر يوما الاستغناء عن النص المكتوب وتشغيل “الجمجمة”، كانت النتيجة زلة لسان وكارثة موثقة بالصوت والصورة، بقيت شاهدا على العجز البلاغي والسياسي.
المأساة لم تتوقف عند حدود جلوسه على كرسي رئاسة الجهة كرئيس مفروض قسرا؛ بل بلغت أوجها الساخر في التطورات الحزبية الأخيرة، ففي الوقت الذي يستوي فيه على كرسي الرئاسة، واستقال المنسق الجهوي لحزب التجمع الوطني للأحرار، سعيد شباعتو، لم يجد الحزب أي خيار أو توافقات إقليمية، سوى استدعاء هذا “التكنيسيان” المتقاعد، الذي أُنعم عليه سابقا بمهام مجهولة أيضا في ديوان وزير الفلاحة، ليطلب منه تولي مهمة المنسق الجهوي للحزب أيضا!
هكذا، وبدون انتخابات داخلية أو توافقات قواعد، تسند مسؤولية سياسية وحزبية ثقيلة لرجل لا علاقة له بالسياسة لا تاريخا ولا كاريزما. تتكرر القاعدة الذهبية لدى صناع المشهد؛ كلما شغر منصب ولم نجد من يتولاه، ننادي على صاحبنا، نلصق به الصفة، ونتحكم به من خلف الستار ليكون هو “المنديل” والواجهة التي تستغل لقضاء المآرب وتغطية الفراغ.
إن قبول هذا الوضع يعري أزمة الأداء السياسي والإداري بالجهة؛ حيث تحول المسار من تدبير الشأن الجهوي بكفاءة واستقلالية، إلى مجرد تأدية أدوار وظيفية تنفذ الأوامر وتغطي على الفراغ الحزبي، ليظل السؤال مطروحا حول قدرة هذه النماذج على تقديم أي قيمة مضافة لجهة تنتظر تنمية حقيقية لا مجرد استكمال لإجراءات إدارية.






