الرشيديةسياسة

جماعة بوذنيب: من 14 ملياراً إلى ترقيع الشوارع.. أين اختفت التهيئة الشاملة؟

يبدو أن سكان مدينة بودنيب مطالبون، مرة أخرى، بتعلم فن الانتظار. فبعد سنوات من الوعود والمشاريع المعلنة والأرقام الكبيرة، وبعد الحديث عن تهيئة شاملة للمدينة بمبلغ يصل إلى 14 مليار سنتيم، ثم الإعلان لاحقاً عن اتفاق بغلاف مالي يقارب 10 ملايير سنتيم، لم يجد المجلس الجماعي، إلى حدود اليوم، ما يقدمه للساكنة سوى مشهد مألوف: بضع رقع من الإسفلت هنا وهناك.

هذا ما ظهر في مركز المدينة: أشغال لترقيع أجزاء من الطريق، تدخلات محدودة لا تحتاج إلى كثير من التأمل لفهم أنها لا تشبه، لا من قريب ولا من بعيد، ورشاً من حجم التهيئة الشاملة التي ظلت حاضرة بقوة في بيانات جوفاء للمجلس على الفايسبوك.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس من باب المزايدة، وإنما من باب حق المواطن في معرفة مصير المشاريع التي سمع عنها: هل هذه هي التهيئة الشاملة التي وُعد بها سكان بودنيب؟ إذا كان الجواب نعم، فالمواطن يستحق تفسيراً مقنعاً، وإذا كان الجواب لا، فالسؤال يصبح أكثر إلحاحاً: متى ستبدأ التهيئة فعلاً؟

14 ملياراً في الخطاب.. 10 ملايير في الإعلان.. وترقيع في الشارع

القصة بدأت برقم كبير: 14 مليار سنتيم للتهيئة الشاملة للمدينة.

رقم كفيل بأن يرفع سقف انتظارات الساكنة، وأن يجعلها تتصور مدينة أخرى: شوارع مؤهلة، أرصفة منظمة، فضاءات عمومية محسنة، إنارة وبنية حضرية أفضل، ومجال حضري يليق بمدينة يفترض أنها تتجه نحو تنمية حقيقية.

لكن الرقم تغير لاحقاً، من 14 ملياراً، أصبح الحديث عن 10 ملايير سنتيم بعد الاتفاق مع الشركاء، وفق ما سبق أن نشره المجلس، ثم ماذا؟ بدلاً من ورش كبير يرى المواطن ملامحه على الأرض، ظهرت أشغال ترقيع محدودة في عدد من المقاطع الطرقية، وهنا تصبح المفارقة صارخة إلى درجة يصعب معها تجاهلها:

14 ملياراً تحولت إلى 10 ملايير، و10 ملايير لم ير المواطن منها، إلى الآن، سوى الإسفلت المرقع في الشوارع.

طبعاً، من غير المنطقي اعتبار عمليات ترقيع الطرق نفسها جريمة أو خطأ؛ فالطرقات تحتاج إلى الصيانة، والمواطن يحتاج إلى طرق آمنة. لكن المشكلة تكمن في تقديم تدخلات محدودة وكأنها الجواب عن انتظارات مرتبطة بمشروع تهيئة شامل، فالترقيع ليس تهيئة شاملة، مهما حاول الخطاب السياسي أن يمنحه من عناوين براقة.

صفقة الدراسات ليست أشغالاً منجزة

الأكثر إثارة للانتباه أن المجلس يحتفي بإطلاق صفقة للدراسات التقنية وتتبع ومراقبة أشغال تحسين الجاذبية بجماعة بودنيب، عبر شركة العمران، في إطار مشروع تشارك فيه قطاعات ومؤسسات عمومية، لكن حتى هذه النقطة تحتاج إلى توضيح للرأي العام، الدراسات ليست أشغالاً، وإطلاق صفقة للدراسة لا يعني أن المدينة دخلت مرحلة الإنجاز الفعلي للتهيئة.

بل إن التصور النهائي للمشروع يظل، وفق المعطيات المتداولة، مرتبطاً بنتائج الدراسات التقنية وإعداد الوثائق اللازمة، وبالتالي، فإن محاولة تسويق هذه المرحلة باعتبارها إنجازاً نهائياً أو باعتبار أن التهيئة الشاملة قد انطلقت فعلياً، ستكون على الأقل سابقة لأوانها.المواطن يريد أن يرى الورش، لا أن يسمع فقط عن مكتب الدراسات، يريد أن يعرف أين ستذهب الأموال، وما هي الأشغال التي ستنجز، ومتى ستبدأ، ومتى ستنتهي، أما لغة المشاريع التي تبدأ بالعناوين الكبيرة وتنتهي في انتظار الدراسات والوثائق والاتفاقيات، فقد سمعها المواطنون كثيراً.

خمس سنوات.. والساكنة ما تزال تنتظر الحصيلة

المشكلة، في نهاية المطاف، ليست في حفرة ولا في رقعة إسفلت، المشكلة أكبر من ذلك بكثير.

إنها مشكلة حصيلة تدبير جماعي بعد سنوات كان يفترض أن تكون كافية لإظهار نتائج ملموسة على الأرض.

خمس سنوات تقريباً من التدبير ليست فترة قصيرة تسمح للمسؤول بأن يطلب من المواطن الانتظار إلى ما لا نهاية.

بعد هذه المدة، من حق المواطن أن يسأل: ماذا تحقق؟

أين المشاريع التي كانت في صلب الوعود؟

أين المرافق المؤهلة؟

أين الاستثمار الحقيقي في الاختصاصات الذاتية للجماعة؟

أين المشاريع التي تجعل المواطن يشعر بأن مدينته تتحرك إلى الأمام؟

والأهم: لماذا يبدو أن المجلس لا يزال ينتظر مشاريع تأتيه من خارج مبادرته بدل أن يقدم للرأي العام حصيلة قوية لمشاريع أطلقها ونفذها بنفسه؟

هذه أسئلة سياسية وتدبيرية مشروعة، خصوصاً أن الحزب الذي يقود الأغلبية الحكومية حاضر أيضاً في تدبير مجلس الجهة، ما يجعل هامش التبرير بضيق الإمكانيات أقل إقناعاً في نظر كثير من المتابعين.

السؤال الذي لا يمكن ترقيعه بالإسفلت

في بودنيب، يمكن ترقيع حفرة بالإسفلت.

يمكن إصلاح مقطع من شارع.

يمكن حتى تجميل صورة في منشور على مواقع التواصل.

لكن هناك شيئاً لا يمكن ترقيعه بسهولة: فجوة الثقة بين الوعود وما يراه المواطن على الأرض.

وهذه الفجوة لن تُغلق بالبيانات ولا بالأرقام، وإنما بالمشاريع المنجزة.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه المجلس الجماعي اليوم ليس: كم كلف الإسفلت؟

بل:

متى ستبدأ التهيئة الشاملة التي وُعد بها سكان بودنيب؟ وماذا تحقق فعلياً من الوعود التي قُدمت لهم خلال هذه الولاية؟

إلى أن تأتي الإجابة بالأشغال لا بالكلام، سيظل المواطن يرى أمامه ما هو واضح للعين: مدينة تنتظر التهيئة الشاملة، ومجلساً يحتفل بالدراسات، وشوارع تتلقى مزيداً من الترقيع.

والفرق بين الثلاثة كبير جداً.

بلحسن الصوصي

مدير نشر

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

Back to top button

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى