افتتاحية «الجهة الثامنة» حين تُطوى صفحة المينورسو… ماذا عن الحدود التي نسكنها؟

بقلم: مولاي الحسن الصوصي – مدير النشر
حين يغلق مجلس الأمن ملفا ظل مفتوحا خمسة وثلاثين عاما، فالخبر في العواصم عنوان دبلوماسي. أما عندنا في درعة تافيلالت فهو سؤال جغرافيا قبل أن يكون سؤال سياسة. نحن من نعيش على الخط الذي تبدأ منه الخرائط وتنتهي، وقد علمتنا الواحات أن الحدود لا تقرأ في البيانات وحدها.
الوقائع معروفة: فشل مجلس الأمن في 30 أكتوبر في اعتماد مشروعي القرار الأمريكي والروسي بشأن مستقبل البعثة، فانتهت ولايتها، وبدأت الأمم المتحدة إجراءات تصفيتها. وأعلنت الجزائر أسفها لعدم التجديد، فيما قرأ المغرب في الأمر طيا لصفحة عمرها عقود. وفي جلسة العمل الملكية ليوم 4 نونبر، جرى التأكيد على الالتزام بوقف إطلاق النار، وعلى مواصلة المشاريع التنموية بالأقاليم الجنوبية، وعلى تكليف مكتب تابع لوزارة الداخلية بمواكبة انسحاب البعثة.
لكن ما يعنينا في هذه الجريدة هو ما بعد البلاغات.
أولا، الحدود ليست هامشا. لقد اعتادت الدولة، ومعها الإعلام، أن تنظر إلى الصحراء بوصفها الجنوب الأقصى، وكأن الملف يبدأ من الداخلة وينتهي عند العيون. والحال أن الواجهة الشرقية لا تقل حساسية: من تخوم الرشيدية وإقليم زاكورة إلى مشارف مرزوكة وطاوز ومحاميد الغزلان، تمتد أراض هادئة لكنها تشكل خط تماس يومي مع التاريخ والجغرافيا. ومن يتحدث عن «المرحلة الجديدة» دون أن يضع هذه الجهة في صلب حساباته، يقرأ نصف الخريطة.
ثانيا، للذاكرة هنا وزنها. تافيلالت ليست جهة طرفية في الوعي المغربي، فهي مهد سجلماسة، ومنها خرجت الدولة العلوية. وقد ربطت قبائل المنطقة، من أيت عطا إلى الدوي منيع وأولاد جرير، تجارة وترحالا ومصاهرة بفضاءات تمتد شرقا وجنوبا، قبل أن ترسم الاتفاقيات الاستعمارية خطوطا جديدة فوق أرض قديمة. ولذلك يبقى ملف «الصحراء الشرقية» حاضرا في الوجدان المحلي، ويستحق نقاشا هادئا ومسؤولا في الفضاء العمومي بدل أن يترك للشعارات أو للصمت.
ثالثا، الأمن لا يكفي دون التنمية. إذا كانت الأقاليم الجنوبية حظيت بمشاريع كبرى، فإن ساكنة الحدود الشرقية تنتظر نصيبها: طرق تفك العزلة عن القرى، وماء يواجه الجفاف الذي يهدد الواحات، وخدمات صحية وتعليمية قريبة، وفرص عمل تثبت الشباب في أرضهم. فالحدود تتحصن بالإنسان قبل أن تتحصن بالأسلاك، والمواطن الذي يجد كرامته في قريته هو أصدق حارس للتراب.
رابعا، الحذر واجب. المرحلة التي تعقب مغادرة بعثة أممية مرحلة دقيقة لا يصلح فيها الانفعال. المطلوب يقظة هادئة، وخطاب إعلامي رصين يميز بين الدفاع عن الحق والانجرار إلى التوتر، وحرص على علاقات حسن الجوار الذي تفرضه الجغرافيا مهما اشتد الخلاف السياسي.
إن درعة تافيلالت، بتاريخها وموقعها وإنسانها، شريك أصيل في هذه المرحلة، وليست متفرجا عليها. وسنظل في «الجهة الثامنة» نحمل صوت هذه الجغرافيا إلى النقاش الوطني، لأن من يسكن الحدود أدرى بثمن الاستقرار وبقيمة السلام.






