
لم تكن واقعة نقل طفل من إقليم زاكورة إلى المستشفى الإقليمي بورزازات، عقب تعرضه للدغة أفعى، مجرد حالة صحية عابرة، بل تحولت إلى شرارة أعادت إشعال النقاش حول واقع المنظومة الصحية بالإقليم، وسط موجة استياء واسعة في صفوف الفعاليات المدنية والحقوقية، التي اعتبرت الحادث مؤشراً جديداً على عمق الأزمة التي يعيشها القطاع الصحي بالمنطقة.
وأثارت الحادثة ردود فعل غاضبة بين عدد من المتابعين والمهتمين بالشأن المحلي، خاصة بعد تداول تفاصيلها على نطاق واسع، حيث اعتبر كثيرون أن اضطرار المرضى، وخصوصاً الحالات الحرجة، إلى قطع عشرات الكيلومترات نحو مدن أخرى من أجل تلقي العلاج المتخصص، يكشف حجم الاختلالات البنيوية التي يعرفها المركز الاستشفائي الإقليمي بزاكورة، في ظل استمرار الخصاص الحاد في عدد من التخصصات الطبية الأساسية.
وبحسب متفاعلين مع الواقعة، فإن الوضع لا يقتصر على زاكورة فقط، بل يمتد إلى المستشفى الإقليمي بورزازات، الذي يستقبل حالات وافدة من أقاليم زاكورة وتنغير أيضا، رغم محدودية موارده البشرية والطبية، ويشير متتبعون إلى أن المستشفى لا يتوفر سوى على طبيب واحد متخصص في جراحة الأطفال، ما يضاعف الضغط على المؤسسة الصحية ويضعها أمام تحديات كبيرة في تدبير الحالات المستعجلة.
ويرى فاعلون محليون أن هذا الواقع يفاقم من معاناة الأسر، خصوصاً في الحالات التي تتطلب تدخلاً عاجلاً، حيث تتحول المسافات الطويلة والطرقات الوعرة، خاصة عبر المناطق الجبلية والمسالك الصعبة، إلى عامل خطر إضافي قد يهدد فرص النجاة، في ظل ما يوصف بـ”سباق مع الزمن الطبي” لإنقاذ المرضى، لاسيما الأطفال.
وفي خضم هذا الجدل، تجددت الدعوات المطالبة بضرورة تمكين ساكنة زاكورة من حقها في العلاج والتطبيب داخل الإقليم، عبر تعزيز العرض الصحي وتوفير التخصصات الطبية التي يفتقدها المركز الاستشفائي الإقليمي، مع التأكيد على أن الاقتصار على تقديم الإسعافات الأولية أو توفير الأمصال المضادة لا يكفي وحده لضمان التكفل الكامل بالحالات المعقدة، ما لم يواكبه حضور أطباء متخصصين قادرين على التدخل السريع والفعال.
وطالبت فعاليات محلية وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بإعادة النظر في الخريطة الصحية الخاصة بالإقليم، والعمل على تجاوز سياسة الإحالة المستمرة نحو مدن أخرى، من خلال اعتماد إجراءات مستعجلة، أبرزها توفير طبيبين متخصصين على الأقل في جراحة الأطفال بشكل دائم، وتعزيز الموارد الطبية في تخصصات الإنعاش والتخدير والأمراض الاستعجالية، إلى جانب تجهيز غرف العمليات لاستقبال التدخلات الجراحية الخاصة بالأطفال والحالات الحرجة.
ومع اقتراب فصل الصيف، الذي يشهد عادة ارتفاعاً ملحوظاً في حالات التسمم الناتج عن لسعات العقارب ولدغات الأفاعي، تتزايد مخاوف الساكنة من تكرار مشاهد النقل الاستعجالي نحو مدن بعيدة، وما قد يرافقها من مخاطر صحية قد لا تنتهي دائما بنتائج إيجابية، وبين محدودية الإمكانيات واتساع المجال الترابي، يظل السؤال مطروحا بإلحاح: إلى متى سيستمر سكان الجنوب الشرقي في مواجهة المرض تحت وطأة الخصاص في التخصصات الطبية وبعد المرافق الصحية؟






