منبر الجهة8

الدكتور محمد الحفظاوي يكتب…منزلة العلم ومهاراته في التشريع وفي الحياة

 

محمد الحفظاوي

في هذا الزمان الذي ظهرت فيه أهمية العلم،وقيمة المعرفة ومهارات الحياة المتنوعة،برزت أيضا آفات كثيرة منها العزوف عن القراءة والبحث العلمي،وفشو السرقات الأدبية،والتواكل على التكنولوجية الرقمية و الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي في إنجاز الأعمال العلمية. والسعي في الانخراط في المؤسسات التعليمية لنيل الشهادات للحصول على لقمة الخبز فقط، فارتبط العلم بالشهادات المؤهلة للتوظيف،وضمرت إن لم نقل انعدمت الرغبة في التعلم والتعليم من أجل التكوين الذاتي، والتؤهل لرتب العالمية،واكتساب الخبرة،ومهارات إنتاج المعرفة،لنفع المجتمع. وماذاك إلا بسبب غياب الرؤية الشرعية المؤطرة لحركة الإنسان، وانتشار ثقافة الاستهلاك، والعقلية الرأسمالية المادية في المجتمع، وكما يقول علماء الاجتماع،فشت ثقافة السيولة على حساب قيم الصلابة.

كل هذا وغيره من مشكلات الواقع العلمي؛ يتطلب التذكير بمنزلة العلم ومهاراته في التشريع وفي الحياة،لإحداث اليقظة من الغفلة العامة عن القصد الأصلي والنية الأساس في طلب العلم،وسلوك طرقه المسهلة لطرق الرفعة الدنيوية وعلو المنزلة في الأخروية، ونحن هنا لانلغي من حسابنا اعتبار حظوظ النفس الإنسانية من الحصول على الشهادات ونيل الوظائف لأجل الحصول على دخل يوفر حياة كريمة،إلا أننا نعتب على من لا يلقي بالا للقصد الأصلي والنية الأولى من طلب العلم وهو الامتثال للأمر الرباني مصداقا لقوله تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ {العلق/1}﴾.

إن طلب العلم من أفضل القربات التي يتقرب بها العبد الى ربه،ومن أعظم الطاعات التي ترفع منزلة المسلم وتعلي قدره عند الله سبحانه،ولقد أمر الله عباده بالعلم والتعلم،والتفكير والتدبر وحذرهم من الجهل واتباع الهوى،وبين أن العلم الذي ينفع صاحبه يوم القيامة هو العلم الذي يبتغي فيه وجه الله تعالى ونيل رضاه،ويتأدب فيه بأدب الاسلام،ويتخلق بأخلاق سيد الأنام صلى الله عليه وسلم،الذي كان خلقه القرآن.لذلك كانت أول آيات الذكر الحكيم نزولا؛ عن مفتاح العلم وهو القراءة: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ {العلق/1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ {العلق/2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ {العلق/3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ {العلق/4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ {العلق/5} ﴾، فافتتحت سورة العلق بكلمة ﴿اقرأ﴾، وفيها أمر على الحقيقة بطلب تحصيل فعل في الحال أو الاستقبال، بالقراءة بنطق كلام معين مكتوب، أو محفوظ على ظهر قلب،كما ثنى بذكر فضيلة وسيلة التعليم ونشر العلم وهي الخط بالكتابة بالقلم،إذ”مادونت العلوم، ولاقيدت الحكم،ولاضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة؛ولولا هي مااستقامت أمور الدين والدنيا”[1]. ولمكانة العلم في الإسلام وأهله قال تعالى: ﴿ شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {آل عمران/18} ﴾[2]،فانظر كيف بدأ سبحانه وتعالى بنفسه وثنى بالملائكة وثلث بأهل العلم،وناهيك بهذا شرفا وفضلا.وقال تعالى مبينا فضل العلماء ومالهم من مكانة رفيعة،بقوله: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ {المجادلة/11}﴾[3]،ورفع الدرجات يدل على عظيم الفضل،ويشمل الرفعة المعنوية في الدنيا بعلو المنزلة وحسن الصيت[4]،والحسنة في الآخرة بعلو المنزلة في الجنة.

فمن خلال آيات العلم في القرآن الكريم يتبين أن العلم أساس هذه الأمة بل هو أساس استخلاف هذا النوع البشري كله على بقية الأنواع في أرض الله.

ولقد حث الاسلام على طلب العلم، وأولى العلوم بالطلب هو علوم الدين،التي يعرف بها الإنسان نفسه ويعرف ربه،ويهتدي إلى رسالته في الحياة، ويعلم ماله وما عليه. لذلك ذكر الامام البخاري –رحمة الله عليه- في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى ياتي أمر الله)[5].قال بدر الدين العيني: (فيه فضل العلماء على سائر الناس – و- فيه فضل الفقه في الدين على سائر العلوم،وإنما ثبت فضله لأنه يقود إلى خشية الله والتزام طاعته).[6] ثم بعد ذلك، كل علم يكشف حقيقة تهدي الناس إلى الحق أو تقربهم من خير أو تحقق لهم مصلحة وتدرأ عنهم مفسدة ويشمل هذا علوم الطب والهندسة والفيزياء والرياضيات والفلك والتاريخ وغيرها. وقال تعالى: ﴿” وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ {التوبة/122}”﴾[7]، قال ابن الفرس:”وفي هذه الآية أيضا، دلالة على وجوب طلب العلم وأنه من فروض الكفاية في بعض، وفرض عين في بعض”[8]، فطلب العلم في التشريع الإسلامي يرقى لرتبة الوجوب والفرضية بحيث يثاب فاعله ويأثم تاركه،  لذلك قال القرطبي في هذه الآية:( وهذا يقتضي الحث على طلب العلم)[9]، وقد جاء التنصيص على فرضية طلب العلم في متن حديث أنس ابن مالك الذي قال فيه:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم ))[10]. والعلم منه فرض العين وهو المعلوم من الدين ضرورة وأحكامه؛ مثل الصلاة والصيام والحج فمعرفة أحكامها متعين في حق كل مخاطب بها، ويدخل في العلم المتعين من سلك مجالا معرفيا تحتاجه الأمة- مثل الطلبة في جميع مسالك الشعب الجامعية -، فقد تعين في حقه الاستمرار فيه وتحققه بمقاصده. وفروض الكفاية هي العلوم التي يخاطب بها المجتمع؛بإقامتها وتوفير مؤسساتها وتخريج المتخصصين فيها مما يحقق كفاية المجتمع من خدماتها، فقد قال تعالى:﴿ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ {النحل/43} ﴾، فقد دلت الآية بإشارتها على وجوب تهيئة شروط تكوين العلماء الذين يفتون ويقدمون خبرتهم للناس السائلين في المجتمع،مثل المجتهدين في الفقه،والمتخصصين في كل العلوم والمعارف.

ولقد استعمل في النص القرآني لفظ نفر، وهو لفظ يدل في دلالته اللغوية الأصلية على الفرار والذهاب، وكذلك على الجهاد،يقال:”استنفر الإمام الناس لجهاد العدو، فنفروا ينفرون إذا حثهم على النفير ودعاهم إليه”[11]. مما يدل على مايتطلبه طلب العلم من اجتهاد وعزيمة وهمة عالية.

ويبين عليه الصلاة والسلام فضائل طلب العلم وخيراته،روى الترمذي من حديث ابي الدرداء،قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا الى الجنة))[12].طريق العلم طريق خير لا خير فوقه ولذلك كان طلب النبيلربه:﴿ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا {طه/114} ﴾[13]. وقال :”من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين”[14]،وعن أبي هريرة رضي الله عنه،قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، علما علمه ونشره،وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورثه، أو مسجدا بناه أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه،أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، يلحقه من بعد موته ))[15].

لذلك ونظرا لهذه المنزلة العظيمة للعلم فهم السلف الصالح أن الاشتغال بالعلم عبادة خالصة،يتقرب بها العبد إلى مولاه.فقد روى عن ابن مسعود قوله: (الدراسة الصلاة)[16]، وقال ابن عباس رضي الله عنه:(تذاكر العلم بعض ليلة أحب إلي من إحيائها).[17]

إن اعتبار العلم عبادة يقتضي إخلاصه لله والاشتغال به قصد التقرب إليه سبحانه،وتحري السلامة والصواب في عملية الطلب.والعبادة تكليف شرعي لايراد به المفاخرة والمباهاة،ولكنه التزام يدل على مفردات الطاعة والامثال والاتباع، ولا تبرأ ذمة العبد إلا بالقيام بعبادة العلم، على ما يتطلبه الواجب الشرعي وضرورات الحياة.

وقد جعل المسلمون للعلم-من منطلق الواجب الشرعي والضرورة الحضارية- أماكن داخل المساجد والجوامع، في شرق البلاد الإسلامية وغربها. واقترن الفتح الإسلامي لبلاد المغرب بنشر تعليم القرآن الكريم وتعليم اللغة العربية.ثم بنى المسلمون جامع الأنصار في أول موقع لمعسكرهم في المغرب سنة 31هـ جعلوه للصلاة والتعليم معا وكان أول مدرسة للتعليم بالمغرب. وأسس عقبة بن نافع الفهري سنة51هـ حاضرة القيروان  وبنى فيها جامعها الكبير فكان ثكنة عسكرية وجامعا للصلاة ومدرسة للتعليم.فكانت تونس منذ القرن الأول الهجري من المراكز العلمية المهمة في العالم الإسلامي.    وفي أواسط القرن الثاني الهجري تأسست في الأندلس خلافة أموية اهتمت بالعلم، وتأسس معهد طليطلة وكان أكبر معهد يتعلم فيه المسلمون وغير المسلمين علوم علماء الإسلام، “وكان الغربيون يترجمون من الكتب المكتوبة باللسان العربي ما يرغبون في ترجمته إلى اللاتينية، وكان هذا هو العامل الأساسي في ظهور النهضة العلمية والأدبية والفنية وغيرها في أوروبة”[18]. وفي المغرب أسس الأدارسة دولتهم وجعلوا مدينة فاس عاصمة لهم، وفيها بنت فاطمة أم البنين جامع القرويين سنة 245هـ/859م، الذي صار فيما بعد جامعة تدرس مختلف العلوم النقلية والعقلية . وقد عُرفت الدولة العلوية بتشجيعها للعلم والعلماء، وتشييد المعاهد والمدارس والجامعات والمجالس العلمية.

وفي المشرق الإسلامي تم تأسيس مدارس خاصة  للعلم منذ أواسط القرن الخامس الهجري كما في الشام.ومن مؤسسي المدارس بالشام نور الدين محمد بن زنكي، وصلاح الدين الأيوبي.ومن أشهر المدارس بالشرق المدرسة النظامية ببغداد التي افتتحها الخليفة العباسي “القائم بأمر الله”.وجامع الأزهر بمصر.

 

 

[1] -الجامع لأحكام القرآن للقرطبي:20/120.

[2]-آل عمران:18

[3]-المجادلة:11

[4]-الصيت:الذكر الحسن(الكليات للكفوي،فصل الصاد،ص:472).

[5]-صحيح البخاري :كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.حديث رقم:71.

[6]عمدة القاري شرح صحيح البخاري:2/73.

[7]-التوبة:122.

[8]-أحكام القرآن لابن الفرس:3/202.

[9]-الجامع لأحكام القرآن للقرطبي:8/295,

[10]أخرجه ابن ماجة في سننه،باب في فضل من تعلم القرآن وعلمه،حديث رقم224، والحديث صححه الألباني.

-لسان العرب لابن منظور:نفر.[11]

[12]-أخرجه الترمذي في سننه،في كتاب العلم،باب فضل طلب العلم،حديث رقم 2646،وقال الترمذي حديث حسن.

[13] -طه:111.

[14] -أخرجه البخاري،في الجامع الصحيح، كتاب الخمس، باب قوله تعالى :”فإن لله خمسه وللرسول”حديث رقم:3116،وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة،باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:”لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق”يقاتلون وهم أهل العلم،حديث رقم:7312.

[15] -أخرجه ابن ماجة في سننه،باب  معلم الناس الخير،حديث رقم:242.حسنه الألباني.

[16]-جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر:1/26.

[17]-نفسه:1/28.

[18] -الحضارة الإسلامية لعبد الرحمان حنبكةالميداني،دارالقلم،دمشق،الطبعة الثانية:1435هـ-2014م،ص:608.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

Back to top button

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى