منبر الجهة8

ذ. اسليماني مولاي عبد الله يكتب: من الجزري إلى «Cezeri»… حين يحمل مشروع السيارة الطائرة التركية اسم عبقري الهندسة الميكانيكية قبل ثمانية قرون

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

حين اختارت شركة Baykar التركية اسم «Cezeri» لمشروع سيارتها الطائرة، لم يكن الأمر اختياراً تجارياً عابراً، بل إحالة مقصودة إلى واحد من أبرز أعلام تاريخ الهندسة الميكانيكية في الحضارة الإسلامية: بديع الزمان أبو العز إسماعيل بن الرزاز الجزري. وهنا تكمن العلاقة الحقيقية بين «سيارة الجزري» الحديثة والعالم الجزري؛ فالأخير لم يخترع سيارة طائرة بالمعنى الذي نعرفه اليوم، وإنما حمل المشروع التركي اسمه تكريماً لإسهاماته المبكرة في تصميم الآلات والأنظمة ذاتية الحركة، واستحضاراً لإرث علمي يعود إلى نحو ثمانية قرون. وقد أكدت وكالة الأناضول عند الكشف عن المشروع سنة 2019 أن تسمية «Cezeri» جاءت نسبة إلى المهندس المسلم إسماعيل الجزري.

الجزري، الذي عاش في شمال بلاد ما بين النهرين خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر، يُعرف في المصادر العلمية باسم Badi’ al-Zaman ibn al-Razzaz al-Jazari. وتشير مقتنيات متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك إلى الفترة التقريبية 1136–1206، كما توثق بقاء نسخ ورسوم من مؤلفه الأشهر «كتاب في معرفة الحيل الهندسية»، المعروف في الدراسات الحديثة باسم The Book of Knowledge of Ingenious Mechanical Devices. وقد أتم الجزري مؤلفه في حدود سنة 1206، وضم أوصافاً ورسومات تفصيلية لعدد كبير من الأجهزة الميكانيكية، من الساعات المائية وآلات رفع المياه إلى المجسمات والآلات ذاتية الحركة.

ولا تكمن أهمية الجزري في أنه ترك أفكاراً نظرية مجردة، بل في منهجه القائم على الجمع بين التصميم والتجريب والتنفيذ. فالرسومات الباقية من كتابه تظهر معرفة متقدمة بانتقال الحركة، والتروس، والصمامات، والعوامات، والأثقال، وتوظيف الماء والطاقة الميكانيكية لإنجاز حركات متتابعة ومنظمة. ومن أشهر أعماله «ساعة الفيل»، وهي منظومة ميكانيكية معقدة كانت تستخدم تدفق الماء لتحريك سلسلة من العناصر وإظهار مرور الزمن، وقد حفظ متحف المتروبوليتان رسوماً تاريخية لها من نسخة تعود إلى سنة 1315.

كما تصف مخطوطاته أجهزة لرفع المياه تعتمد على الحركة الدورية ونقل القوة، وتوضح إحدى الصفحات المحفوظة في متحف المتروبوليتان منظومة تُدار بواسطة حيوان لتحريك عجلات ترفع الماء بانتظام إلى قناة الري. وهذه الشواهد المادية مهمة لأنها تسمح بفصل التاريخ الموثق عن المبالغات التي تنتشر أحياناً على مواقع التواصل الاجتماعي حول اختراعات الجزري. فمكانته العلمية لا تحتاج إلى نسب اختراعات حديثة إليه؛ ما أنجزه فعلاً يكفي لوضعه ضمن كبار مهندسي الميكانيكا في تاريخ العلوم.

ومن هنا ينبغي تصحيح فكرة متداولة مفادها أن الجزري اخترع «سيارة» تشبه السيارة الحديثة أو السيارة الطائرة. لا توجد، وفق المصادر التاريخية المعتبرة، وثيقة تثبت أنه صنع مركبة جوية مماثلة للطائرات العمودية أو وسائل النقل الجوي الحديثة. ما صممه كان مجموعة متقدمة من الآلات الميكانيكية والأوتوماتية وفق معايير عصره، ولذلك فإن الربط بينه وبين «Cezeri» التركية هو ربط رمزي وتاريخي وتكريمي، لا استمرار مباشر لاختراع بعينه.

أما Cezeri Flying Car الحديثة فهي مشروع مختلف كلياً من حيث التكنولوجيا. شركة Baykar تصنفها باعتبارها مفهوماً للنقل الجوي الحضري الكهربائي، وهي مركبة ذات إقلاع وهبوط عمودي، تعمل بالطاقة الكهربائية وتعتمد على بطاريات ليثيوم-أيون ونظام طيران مدعوم بالحاسوب والذكاء الاصطناعي، إلى جانب نظام تحكم ذاتي متعدد الاحتياطيات. ووفق المواصفات المنشورة حالياً من الشركة، تضم المركبة ثمانية محركات كهربائية بدون فرش، ويمكن أن تصل سرعتها التصميمية أثناء الرحلة إلى نحو 100 كيلومتر في الساعة، بمدى مستهدف في حدود 70 إلى 80 كيلومتراً وزمن بقاء في الجو يقارب ساعة وفق التصور التقني المنشور.

وتوضح Baykar أن المشروع مصمم أساساً ليكون وسيلة كهربائية للنقل الجوي داخل المدن، مع إمكان تطوير تطبيقاته لنقل الأشخاص والبضائع، وتقديم الدعم اللوجستي في القطاع الصحي، بما في ذلك نقل الاحتياجات الطبية العاجلة، فضلاً عن بعض الاستخدامات اللوجستية في المناطق التي يصعب الوصول إليها. وتظهر المواصفات الحالية أن «Cezeri» ذات مقعد واحد وتستخدم نظام دفع كهربائياً بالكامل وإقلاعاً وهبوطاً عموديين.

وقد انتقل المشروع من الرسوم والتصميم إلى الاختبارات العملية. ففي شتنبر 2020 أعلنت Baykar نجاح اختبارات الطيران الأولية للمركبة في إسطنبول، وذكرت وكالة الأناضول أن النموذج الأولي، الذي بلغ وزنه آنذاك نحو 230 كيلوغراماً، ارتفع في أحد الاختبارات إلى حوالي 10 أمتار. وهذه النقطة مهمة لأن المشروع لا ينبغي تقديمه صحفياً على أنه سيارة طائرة تجارية متاحة اليوم في الأسواق؛ فهو مشروع تطوير تقني وتجريبي، بينما المواصفات المنشورة من Baykar تعبّر في جانب منها عن الأهداف التصميمية للمركبة.

وإذا كانت الفجوة الزمنية بين الجزري و«Cezeri» تقارب ثمانية قرون، فإن الرابط بينهما يتجاوز مجرد الاسم. فالجزري كان ينتمي إلى مرحلة سعى فيها المهندس إلى جعل الآلة تنفذ سلسلة من الحركات بصورة منظمة، فيما تنتمي «Cezeri» إلى عصر أصبح فيه الحاسوب والذكاء الاصطناعي والمحركات الكهربائية ونظم التحكم الذاتي أدوات لتحقيق الفكرة نفسها على مستوى أكثر تعقيداً: أن تقوم المنظومة الميكانيكية بتنفيذ الحركة والتحكم فيها بأقل تدخل بشري ممكن. ولا يعني ذلك وجود خط تقني مباشر بين الجهازين، وإنما يمثل استحضاراً رمزياً لتاريخ طويل من الابتكار الهندسي.

واختيار تركيا لاسم الجزري يحمل أيضاً بعداً حضارياً واضحاً؛ فهو يعيد إلى الواجهة شخصية علمية نشأت واشتغلت في المجال الجغرافي لبلاد الرافدين والأناضول خلال العصر الأرتقي. وتؤكد الدراسات والمقتنيات المتحفية أن كتابه لم يكن مجرد سجل لآلات ترفيهية، بل وثيقة مهمة لفهم مستوى الهندسة التطبيقية في تلك المرحلة التاريخية. ولذلك فإن الاحتفاء باسمه اليوم لا ينبغي أن يتحول إلى منافسة حول الأسبقية أو إلى مبالغات من قبيل وصفه «بمخترع السيارة الطائرة»، بل الأفضل تقديم إنجازه في سياقه الحقيقي، لأنه أكثر قيمة علمية حين يُقرأ كما كان فعلاً.

إن قصة الجزري و«Cezeri» تكشف جانباً مهماً من العلاقة بين الذاكرة العلمية والابتكار المعاصر. فالدول والمؤسسات التي تطمح إلى صناعة المستقبل غالباً ما تستحضر أسماء علمائها ومهندسيها التاريخيين في مشروعاتها الحديثة، ليس للقول إن التكنولوجيا الجديدة وُجدت قبل قرون، وإنما لتأكيد أن الإبداع العلمي سلسلة تتراكم فيها المعرفة عبر الأجيال.

وهكذا، عندما نرى اسم «Cezeri» مكتوباً على سيارة طائرة كهربائية تركية في القرن الحادي والعشرين، فإننا لا نشاهد اختراعاً للجزري عاد إلى الحياة حرفياً، وإنما نشاهد تكريماً معاصراً لمهندس عاش قبل قرون وترك واحداً من أهم المؤلفات المصورة في تاريخ الآلات الميكانيكية. فالجزري صنع آلات عصره وأبدع فيها، ومهندسو اليوم يصنعون آلات عصرهم، وبين الاثنين يبقى الاسم شاهداً على أن الحضارات تحفظ مكانة علمائها حين تجعل ذاكرتهم جزءاً من صناعة المستقبل.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

Back to top button

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى