ذ. اسليماني مولاي عبد الله يكتب: مجموعة العشرين G20: عندما تدخل أفريقيا إلى قلب صناعة القرار الاقتصادي العالمي

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
لم تعد مجموعة العشرين (G20) مجرد إطار للتنسيق بين أكبر الاقتصادات العالمية، بل أصبحت واحدة من أهم المنصات التي تناقش مستقبل الاقتصاد الدولي، والتمويل، والتجارة، والاستثمار، والطاقة، والتنمية، والتكنولوجيا والحوكمة العالمية.
وتضم مجموعة العشرين 19 دولة، إلى جانب الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، وهو ما يمنحها وزناً ديموغرافياً واقتصادياً وسياسياً كبيراً على مستوى العالم. وقد تحولت المجموعة، منذ تأسيسها سنة 1999، من منتدى يركز أساساً على الاستقرار المالي إلى فضاء أوسع لمناقشة التحولات الكبرى التي تؤثر في الاقتصاد العالمي.
وتكمن إحدى أهم التحولات في السنوات الأخيرة في انضمام الاتحاد الأفريقي عضواً دائماً إلى مجموعة العشرين سنة 2023. وبذلك أصبحت أفريقيا ممثلة مؤسساتياً داخل واحدة من أهم المنصات الدولية التي تناقش القضايا الاقتصادية والمالية العالمية.
هذا الحضور الأفريقي يطرح سؤالاً أساسياً: كيف يمكن للقارة أن تحول عضويتها في G20 من مجرد حضور مؤسساتي إلى قدرة فعلية على الدفاع عن مصالحها وأولوياتها؟
تتعلق الأولويات الأفريقية أساساً بملفات تمويل التنمية، إصلاح المؤسسات المالية الدولية، خفض تكلفة رأس المال، معالجة أعباء الديون، البنية التحتية، التصنيع، الأمن الغذائي، الطاقة، التجارة والاستثمار، والتحول الرقمي. وقد عمل الاتحاد الأفريقي على تنسيق هذه الملفات وربطها بأهداف أجندة 2063.
وفي هذا السياق يبرز اسم الدبلوماسي المغربي فتح الله السجلماسي، الذي راكم تجربة واسعة داخل المؤسسات الأفريقية والدولية. فقد شغل منصب المدير العام لمفوضية الاتحاد الأفريقي، وشارك باسم الاتحاد الأفريقي في مسارات مرتبطة بمجموعة العشرين، حيث عرض المواقف والأولويات الأفريقية في النقاشات الخاصة بمستقبل المجموعة والحوكمة الاقتصادية العالمية.
وفي 18 شتنبر 2026، أعلن الاتحاد الأفريقي رسمياً تعيين السفير فتح الله السجلماسي مبعوثاً خاصاً للاتحاد الأفريقي لدى مجموعة العشرين والشؤون العالمية. ووفق مفوضية الاتحاد الأفريقي، تتمثل مهمته في دعم الانخراط الاستراتيجي للاتحاد مع G20، وإجراء المشاورات مع الدول الأعضاء والشركاء الدوليين، والمساهمة في تنسيق المواقف الأفريقية بشأن القضايا ذات الأهمية الاستراتيجية للقارة.
كما تشمل مهمته ملفات أوسع مرتبطة بـالحوكمة العالمية، والهندسة المالية الدولية، والتنمية المستدامة، والتجارة، والعمل المناخي والتكنولوجيا، إضافة إلى القضايا العالمية الناشئة التي تؤثر في مستقبل أفريقيا.
ويكتسب اختيار السجلماسي أهمية في ضوء تجربته السابقة داخل الاتحاد الأفريقي. ففي سنة 2025، شارك بصفته المدير العام للمفوضية في اجتماعات مرتبطة بمسار G20، وقدم وجهة النظر الأفريقية بشأن مراجعة تجربة المجموعة، مؤكداً أهمية أن تنتج المنصة نتائج ملموسة بالنسبة للدول النامية وأن تعكس الحوكمة العالمية بصورة أكثر شمولاً.
كما شارك السجلماسي في حوارات رفيعة المستوى حول الديون والتمويل والتنمية في أفريقيا، حيث ارتبطت المناقشات بإصلاح آليات معالجة الديون، وخفض تكلفة رأس المال، وتطوير أدوات تمويل أفريقية وتعزيز حضور القارة في الحوكمة المالية العالمية.
وبالنسبة للمغرب، فإن حضور شخصية دبلوماسية مغربية بهذا المستوى في ملف أفريقي مرتبط مباشرة بـG20 يعكس مساراً مهنياً يجمع بين الدبلوماسية والاقتصاد والعلاقات الدولية والعمل المؤسساتي الأفريقي. لكن وظيفة السجلماسي الجديدة هي، وفق قرار الاتحاد الأفريقي، وظيفة لخدمة أجندة الاتحاد الأفريقي ككل، وليست تمثيلاً للمغرب داخل المجموعة.
وفي سنة 2026، ومع الرئاسة الأمريكية لمجموعة العشرين، يركز الاتحاد الأفريقي على تنظيم مشاركته وتنسيق أولوياته في مجالات من بينها النمو الاقتصادي والطاقة والتجارة والابتكار والبنية التحتية والرقمنة. وقد عقد الاتحاد الأفريقي اجتماعات تحضيرية لهذا الغرض بهدف بناء موقف أفريقي منسق تجاه أجندة G20.
إن التحدي الحقيقي أمام أفريقيا لم يعد فقط أن تكون حاضرة في G20، وإنما أن تمتلك القدرة المؤسسية والتقنية والتفاوضية لتحويل هذا الحضور إلى سياسات وشراكات وتمويل واستثمارات تخدم التنمية الأفريقية.
ومن هنا تأتي أهمية مهمة فتح الله السجلماسي: فهي تقع عند تقاطع الدبلوماسية الاقتصادية، والتنسيق الأفريقي، والحوكمة العالمية، وتمنح خبرة مغربية طويلة في العلاقات الدولية مجالاً جديداً للعمل داخل واحدة من أهم المنصات الاقتصادية العالمية.
إن دخول الاتحاد الأفريقي إلى G20 ثم تعيين مبعوث خاص للشؤون المرتبطة بالمجموعة يؤشران إلى مرحلة جديدة في حضور أفريقيا على الساحة الدولية: من موقع المتلقي لقرارات الاقتصاد العالمي إلى موقع المشاركة في صياغة النقاش حول مستقبل هذا الاقتصاد.




