منبر الجهة8

ذ. اسليماني مولاي عبد الله يكتب… الممارسة التحكيمية بالمغرب: بين إصلاح النصوص ورهان الثقة الدولية

لم يعد التحكيم في الاقتصاد العالمي الحديث مجرد آلية بديلة لتسوية النزاعات، بل تحول إلى مؤشر حقيقي على نضج الأنظمة القانونية، ومرآة تعكس مستوى الثقة التي تمنحها الدول للمستثمرين والفاعلين الاقتصاديين. فكلما كانت بيئة التحكيم مستقرة وفعالة، ازدادت قدرة الدولة على جذب الرساميل، واحتضان المشاريع الكبرى، وضمان استمرارية المعاملات التجارية العابرة للحدود.

لقد دخل العالم اليوم مرحلة جديدة أصبحت فيها العدالة الاقتصادية جزءاً من التنافس الدولي، ولم تعد المعركة بين الدول مرتبطة فقط بالبنيات التحتية أو الامتيازات الجبائية، بل أيضاً بسرعة فض النزاعات، ومرونة تنفيذ العقود، وفعالية الأنظمة القانونية في حماية الاستثمار. ولهذا السبب تحولت مدن مثل Singapore وDubai وParis وLondon إلى مراكز عالمية للتحكيم، ليس فقط بفضل قوة تشريعاتها، بل نتيجة انسجام القضاء مع فلسفة التحكيم، وتبسيط الإجراءات، وتوفير بيئة قانونية واقتصادية قائمة على الثقة والاستقرار.

وفي هذا السياق الدولي المتسارع، برز المغرب كإحدى الدول التي سعت إلى تحديث منظومتها التحكيمية بشكل تدريجي ومتوازن، مستفيداً من موقعه الجغرافي الاستراتيجي ومن انفتاحه الاقتصادي المتنامي على إفريقيا وأوروبا والعالم العربي. وقد شكل صدور القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية محطة تشريعية مهمة في مسار تطوير العدالة البديلة، بعدما أرسى قواعد أكثر وضوحاً لاستقلالية التحكيم، ووسع نطاقه ليشمل المعاملات التجارية والاستثمارية والصفقات والشراكات الدولية.

غير أن التجارب الدولية أثبتت أن قوة التحكيم لا تقاس بعدد النصوص القانونية فقط، بل بمدى قدرة الدولة على تحويل تلك النصوص إلى ممارسة عملية فعالة وسريعة ومتوقعة النتائج. فالمستثمر الأجنبي لا يبحث عن القوانين الجميلة بقدر ما يبحث عن الأمن القانوني، واستقرار الاجتهاد القضائي، وسرعة تنفيذ الأحكام التحكيمية، واحترام سلطان الإرادة التعاقدية.

ومن هنا يظهر التحدي الحقيقي الذي يواجه الممارسة التحكيمية بالمغرب اليوم؛ إذ لم يعد السؤال مرتبطاً بوجود إطار قانوني من عدمه، بل بمدى قدرة المنظومة القضائية والمؤسساتية على خلق بيئة صديقة للتحكيم، تجعل الأطراف الاقتصادية تشعر بأن اللجوء إلى المغرب كمنصة للتحكيم يشكل ضمانة للثقة والسرعة والحياد.

إن بناء منظومة تحكيمية تنافسية يمر أولاً عبر دعم التحكيم المؤسسي وتقوية المراكز الوطنية والدولية، لأن التجارب العالمية الناجحة أثبتت أن المؤسسات التحكيمية القوية تخلق استقراراً إجرائياً، وتؤمن جودة التنظيم، وتمنح المتقاضين رؤية واضحة لمسار النزاع. كما أن توحيد التوجهات القضائية المتعلقة بشرط التحكيم وتنفيذ الأحكام التحكيمية أصبح ضرورة ملحة لتعزيز اليقين القانوني وتفادي تضارب الاجتهادات.

ولا يقل عنصر التكوين أهمية عن باقي العناصر، لأن التحكيم الحديث أصبح علماً قائماً بذاته يتطلب محكمين ذوي كفاءة قانونية وتقنية ولغوية عالية، قادرين على التعامل مع النزاعات المعقدة المرتبطة بالاستثمار والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والتمويل الدولي. فالمنافسة العالمية اليوم لا تقوم فقط بين الدول، بل أيضاً بين الكفاءات القانونية والمؤسسات التحكيمية.

ومن زاوية اقتصادية، فإن التحكيم لم يعد مجرد آلية لفض النزاعات، بل تحول إلى صناعة قائمة بذاتها تدر دخلاً كبيراً على الدول التي نجحت في تحويل نفسها إلى مراكز تحكيم إقليمية. فسنغافورة والإمارات على سبيل المثال لم تبنيا قوتهما التحكيمية عبر التشريع فقط، بل من خلال رؤية اقتصادية متكاملة جعلت من التحكيم جزءاً من منظومة جذب الاستثمار والخدمات القانونية الدولية.

أما المغرب، فإنه يمتلك مؤهلات حقيقية تؤهله للعب دور محوري داخل الفضاء الإفريقي والمتوسطي، بفضل استقراره المؤسساتي، وموقعه الجغرافي، وتطوره البنكي والمالي، وشبكة اتفاقياته الدولية، إضافة إلى انفتاحه الاقتصادي المتزايد على العمق الإفريقي. غير أن تحويل هذه المؤهلات إلى قوة تحكيمية فعلية يتطلب الانتقال من منطق الإصلاح التشريعي إلى منطق بناء الثقة المؤسساتية.

فالتحكيم الناجح لا تصنعه النصوص وحدها، بل يصنعه قضاء يؤمن بحرية التعاقد، وإدارة قضائية سريعة، ومؤسسات تحكيمية محترفة، وثقافة قانونية تعتبر أن حماية الاستثمار جزء من حماية الاقتصاد الوطني. كما أن نجاح أي منظومة تحكيمية يرتبط بمدى قدرتها على تقليص التعقيدات الشكلية، وتسريع التنفيذ، وضمان التوازن بين الرقابة القضائية واحترام استقلالية التحكيم.

إن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط جعل المغرب بلداً يطبق قوانين التحكيم، بل تحويله إلى فضاء قانوني دولي جاذب للنزاعات التجارية والاستثمارية الكبرى، وإلى جسر قانوني يربط إفريقيا بأوروبا والعالم. فالدول التي ستقود الاقتصاد العالمي مستقبلاً لن تكون فقط تلك التي تمتلك الموارد، بل أيضاً تلك التي تنجح في صناعة الثقة القانونية والعدالة الاقتصادية.

إن مستقبل التحكيم بالمغرب يظل رهيناً بقدرة الفاعلين التشريعيين والقضائيين والمؤسساتيين على بناء نموذج تحكيمي حديث، متوازن، وفعال، نموذج يجعل من المملكة منصة إقليمية للتحكيم الدولي، ويمنح المستثمر رسالة واضحة مفادها أن المغرب لا يوفر فقط فرص الاستثمار، بل يوفر أيضاً الأمان القانوني واستقرار المعاملات وسرعة العدالة الاقتصادية.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى