منبر الجهة8

ذ. اسليماني مولاي عبد الله يكتب: بيع الديون المتعثرة بالمغرب… الأبناك تنظف ميزانياتها والمستثمرون يترقبون سوقا بـ102 مليار درهم

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

يستعد القطاع البنكي المغربي لدخول مرحلة جديدة قد تغير طريقة التعامل مع القروض غير المؤداة، بعدما أصبح مشروع إنشاء سوق ثانوية للديون المتعثرة ينتقل تدريجيا من النقاش التقني إلى بناء إطار قانوني واستثماري فعلي. والأمر ليس هامشيا، فمعطيات الإشراف البنكي برسم سنة 2025 تشير إلى أن رصيد الديون المتعثرة بلغ نحو 102.3 مليار درهم، بارتفاع يقارب 5 في المائة، في وقت استقرت نسبتها في حدود 8.3 في المائة من إجمالي القروض البنكية.

هذا الرقم يكشف حجم الكتلة المالية التي يمكن أن تتحول مستقبلا إلى سوق قائمة بذاتها، غير أن الحديث عن “بيع الديون” يحتاج إلى قدر من الدقة. فالأبناك لن تبيع بالضرورة كامل مبلغ 102.3 مليار درهم دفعة واحدة، وإنما يتعلق الأمر بتمكينها من تفويت محافظ من الديون المصنفة في خانة التعثر إلى مستثمرين أو شركات متخصصة في شراء الأصول المتعثرة وتدبيرها وتحصيلها، وفق شروط وضوابط قانونية وتنظيمية.

المغرب وضع بالفعل على الطاولة مشروع القانون رقم 02.26 المتعلق بالتفويت المباشر للديون المتعثرة لمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها. والمشروع لا يتعلق بإجراء محاسبي بسيط، بل بإعادة ترتيب العلاقة بين البنك والدين والمدين، لأن المؤسسة البنكية التي كانت تحتفظ بالدين المتعثر في ميزانيتها سنوات طويلة وتتحمل تكاليف التتبع والمخصصات وإجراءات التحصيل، قد يصبح بإمكانها مستقبلا تفويته لطرف آخر مقابل ثمن محدد.

من الناحية المالية، يبدو منطق الأبناك واضحا. فالقرض الذي توقف عن توليد تدفقات نقدية منتظمة يتحول إلى أصل ثقيل يحتاج إلى مخصصات وإلى متابعة قضائية وإدارية، كما يؤثر في مؤشرات جودة الأصول وفي قدرة البنك على توجيه موارده نحو تمويلات جديدة. وإذا تمكن البنك من بيع هذا الدين، حتى بثمن يقل عن قيمته الاسمية، فإنه يسترجع جزءا من أمواله ويخفف من حجم المخاطر المرتبطة بالتحصيل.

لكن هنا تبدأ المنطقة الأكثر حساسية في الملف. فالمستثمر المتخصص قد يشتري محفظة من الديون بقيمة أقل بكثير من قيمتها الاسمية، اعتمادا على طبيعة الضمانات واحتمالات التحصيل ومدة المنازعات ومستوى المخاطر. وبعد ذلك يسعى إلى استرجاع أكبر قدر ممكن من هذه الديون، والفارق بين ثمن الاقتناء والمبالغ المحصلة يشكل أساس العائد الاستثماري لهذا النشاط.

غير أن شراء الدين بخصم كبير لا يعني تلقائيا أن دين المقترض ينخفض بالنسبة نفسها. سعر التفويت يبقى مسألة بين البنك والمشتري، بينما يظل ما يطالب به المدين خاضعا للعقد الأصلي وللقانون ولأي تسوية قد يتم الاتفاق عليها. وهنا يطرح سؤال اقتصادي واجتماعي مشروع: إذا كان البنك مستعدا لبيع دين متعثر لطرف ثالث بثمن منخفض مقارنة بقيمته الأصلية، فلماذا لا تمنح للمدين نفسه، قبل التفويت، فرصة جدية لإبرام تسوية أو إعادة جدولة معقولة؟

هذه النقطة بالذات يمكن أن تحدد نجاح أو فشل السوق الجديدة. فليس كل تعثر نتيجة سوء نية أو محاولة للتهرب من الأداء. هناك مقاولات تتعرض لصعوبات بسبب فقدان صفقات أو تأخر الأداء أو تراجع النشاط أو اضطرابات في السوق، كما قد تتغير أوضاع الأسر بسبب فقدان الشغل أو انخفاض الدخل أو ارتفاع الأعباء. ولذلك فإن المعالجة الاقتصادية الرشيدة لا ينبغي أن تضع جميع المدينين في خانة واحدة.

السوق الثانوية الناجحة ليست فقط تلك التي تسمح بتصفية أرصدة الأبناك، وإنما أيضا التي تميز بين المدين القادر على التسوية، والمقاولة التي يمكن إنقاذها، والحالات التي وصلت فعلا إلى عجز نهائي، وبين حالات المماطلة وسوء النية. هذا التمييز مهم لأن تحويل الديون إلى شركات متخصصة في التحصيل دون ضمانات واضحة قد يحول الإصلاح من أداة لتنظيف الميزانيات إلى مصدر جديد للنزاعات والضغط الاجتماعي.

مشروع القانون نفسه يستحضر عددا من هذه المخاطر من خلال الحديث عن حماية حقوق المدينين، والإشعار بالتفويت، وحماية المعطيات الشخصية، وضمان الأمن القانوني للمعاملات. غير أن فعالية هذه المقتضيات ستظل مرتبطة بكيفية تنزيلها على أرض الواقع، وبقدرة القضاء والجهات الرقابية على تحقيق التوازن بين حقوق الدائنين وضمان عدم استعمال وسائل غير متناسبة في التحصيل.

واللافت أن المستثمرين الدوليين بدأوا بدورهم يبدون اهتماما فعليا بهذا السوق. فقد كشفت مؤسسة التمويل الدولية IFC في غشت 2026 عن مشروع DARP NPL EOS Morocco، وهو مشروع استثماري يصل حجمه إلى 60 مليون يورو، ويهدف إلى اقتناء ديون متعثرة تعود للأفراد والمقاولات الصغيرة والمتوسطة والشركات، إضافة إلى بعض الأصول العقارية التي آلت إلى المؤسسات المالية نتيجة عمليات التحصيل.

هذا التطور يكشف أن ملف الديون المتعثرة في المغرب لم يعد ينظر إليه باعتباره مشكلة بنكية فقط، بل أصبح ينظر إليه أيضا باعتباره سوقا استثمارية واعدة. ومع دخول مؤسسات دولية وشركات متخصصة في شراء الديون المتعثرة، فإن المغرب قد يكون أمام ولادة نشاط مالي جديد قائم على شراء المخاطر وتدبيرها وإعادة هيكلتها أو تحصيلها.

كما أن صندوق النقد الدولي سبق أن دعا إلى تسريع تشغيل السوق الثانوية للديون المتعثرة بالمغرب، باعتبار أن تطوير هذه السوق يمكن أن يساعد على تحسين جودة الأصول داخل الأبناك ودعم قدرتها على منح قروض جديدة، خاصة إذا تزامن ذلك مع إصلاح إجراءات التحصيل القضائي والمعالجة الضريبية والمخصصات الاحترازية.

الرابح الأول المحتمل من هذا التحول هو البنك الذي سيتمكن من تنظيف جزء من ميزانيته واسترجاع السيولة وتسريع معالجة ملفات ظلت مجمدة لسنوات. والرابح الثاني هو المستثمر المتخصص الذي يشتري الدين بسعر يعكس مستوى المخاطر ثم يسعى إلى تحقيق عائد من عمليات التحصيل أو إعادة الهيكلة. كما يمكن للاقتصاد بدوره أن يستفيد إذا تحولت الأموال المجمدة في الديون المتعثرة إلى قدرة إضافية على تمويل المقاولات والاستثمار.

لكن المدين يجب ألا يتحول إلى الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.

فإذا كانت المؤسسة البنكية مستعدة للتنازل عن جزء من القيمة الاقتصادية لدينها مقابل التخلص من مخاطر التحصيل، فإن من المنطقي التفكير في إعطاء الأولوية، في بعض الحالات، للتسوية وإعادة الجدولة والمصالحة قبل اللجوء إلى التفويت أو التنفيذ القسري، خاصة عندما يتعلق الأمر بمقاولة قابلة للاستمرار أو بأسرة يمكنها العودة إلى الأداء ضمن شروط واقعية.

السوق الثانوية للديون المتعثرة لا ينبغي أن تتحول إلى سوق لشراء الصعوبات المالية بأثمان منخفضة ثم استرجاعها بأقصى الوسائل الممكنة. المطلوب هو إيجاد توازن بين حماية الجهاز البنكي، وجاذبية الاستثمار، وفعالية التحصيل، والحفاظ على الحقوق الأساسية للمدينين.

إن 102.3 مليار درهم ليست مجرد رقم في ميزانيات الأبناك. وراء هذا الرقم آلاف القروض والمقاولات والأسر والعقارات والضمانات والنزاعات القضائية. ولذلك فإن نجاح الإصلاح لن يقاس فقط بعدد المليارات التي ستخرج من دفاتر الأبناك، بل بقدرته على خلق سوق شفافة ومتوازنة تحمي النظام المالي دون أن تجعل من التعثر المالي حكما نهائيا على المقاولة أو الأسرة.

السؤال الحقيقي إذن ليس فقط: كم ستبيع الأبناك من الديون المتعثرة؟ بل الأهم هو: بأي ثمن ستباع، ولمن، وتحت أي رقابة، وما الضمانات التي سيحصل عليها المدين، ومن سيستفيد فعلا من السوق الجديدة، ومن سيتحمل كلفتها في النهاية؟

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى