ثقافة وفن

الدكتور الشوباني يحطّم الرقم القياسي في تاريخ النشر بالمغرب بكتابه “المسألة اليهودية في عصر الطوفان”

رئيس جهة درعة تافيلالت السابق يحطم بكتابه "المسألة اليهودية في عصر الطوفان" الرقم القياسي في المبيعات بالمغرب

 

في سابقة ذات دلالات رمزية كبيرة في تاريخ النشر بالمغرب، تمكّن كتاب “المسألة اليهودية في عصر الطوفان” للدكتور الحبيب الشوباني — البرلماني والوزير ورئيس جهة درعة تافيلالت الأسبق — من تحطيم الرقم القياسي في عدد الطبعات خلال سنة واحدة، بعد أن وصلت طبعته إلى الإصدار السادس عشر في ظرف عام واحد فقط ! وهو ما جعل دار النشر تختار لهذه الطبعة إسم “الطبعة الذهبية”، احتفاء بهذا الإنجاز المعرفي والثقافي النوعي.

حدث ثقافي غير مسبوق

فبحسب مهنيين وخبراء في نشر الكتاب، لم يسبق في تاريخ النشر بالمغرب أن حقّق مؤلَّف واحد هذا الكم من الطبعات في سنة واحدة، سواء في العلوم السياسية، أو الفكر المعاصر، أو الآداب، أو غيرها. ويأتي هذا الإنجاز في سياق يعرف تراجعاً مقلقاً لمعدلات القراءة، وانكماشاً في سوق الكتاب، وهو ما يجعل من هذا الرقم ظاهرة فكرية تستحق التوقف والتحليل.

ويعزو هؤلاء الخبراء هذا الإقبال الاستثنائي إلى أهمية الموضوع الذي يتناوله الكتاب، المرتبط بـ”المسألة اليهودية” وتداعيات حرب الإبادة في غزة، وما فرضته على العالم من إعادة التفكير في جذور المشروع الصهيوني وسردياته التاريخية والسياسية التي هيمنت على الفكر الإنساني قرابة قرن من الزمن.

وفي هذا السياق، صرّح لنا الأستاذ إسماعيل العلوي، الوزير الأسبق والأمين العام الأسبق لحزب التقدم والاشتراكية، والذي يضم الكتاب بين دفتيه تقديما له، قائلاً:
بسم الله وكل الحمد له على ما منحه لأخينا الأستاذ و الدكتور الجليل سيدي الحبيب الشوباني من شرف التألق في حقل الدفاع عن قضية يعتبرها شعبنا المغربي الأبي إحدى قضاياه المصيرية الأولى، ألا و هي قضية نضال الشعب الفلسطيني من أجل حقوقه غير القابلة للزوال و على رأسها حقه في الحياة في وجه غزاة صهاينة فاشيين مستغلين أساطر الأولين، تؤازرهم في ذلك الإمبريالية الغربية الغاشمة”؛ مضيفا، في تأكيد انسجام هذا النجاح مع موقف الانحياز المعرفي الصائب لمظلومية الشعب الفلسطيني، بأنه “لا يمكن لأي مناضل متشبث بمناصرة حقوق الشعوب المستعمرة، إلا أن يهنئ الأستاذ الحبيب الشوباني على مبادرته البحثية العلمية والنضالية الرائعة التي جسدها في مؤلفه “المسألة اليهودية في عصر الطوفان”، ذلكم الإنجاز الذي أعتبره مفخرة للمغرب ولكل أبناء المغرب”.

مؤلف في قلب الحدث… وتحليل في زمن الانهيارات الكبرى

ويرى العديد من القرّاء الذين استطلع الموقع آراءهم، أنّ الكتاب قدّم مقاربة معرفية جديدة وجريئة لـ”المسألة اليهودية” كإشكالية أوروبية خالصة شغلت الفكر الغربي لقرون، حيث تمكن المؤلف من الربط بين التاريخ الديني والأنثروبولوجيا السياسية وبين التحولات الكبرى الجارية اليوم في موازين القوى العالمية.

كما قدّم المؤلف مقاربة عابرة للتخصصات تجمع بين تحليل البُنى الفكرية للصراع التاريخي اليهودي المسيحي في أبعاده العقائدية والمشيحانية، وتتبع التحولات الجيوسياسية التي انتهت بالحل الصهيوني للمسألة اليهودية إلى مأزق وجودي في فلسطين المحتلة، بعد الإبادة الجماعية التي صدمت العالم، وحولت “إسرائيل” إلى عبء أخلاقي على الضمير الإنساني العالمي، وعلى الملة اليهودية أيضا.

وفي ما يتعلق بتفسيره للترجمات المتعددة التي نالها الكتاب في سنة واحدة، والإقبال الدولي على ترجمته، وهو ما يعكس الوعي المتنامي بالحاجة إلى إعادة قراءة الجذور الفكرية للمسألة اليهودية، صرح لنا الأستاذ عبد الله العميد، رئيس سابق لقسم الترجمة باليونيسكو بقوله: “لقد قدم الأستاذ الحبيب الشوباني في كتابه الفريد الصادر قبل سنة، جهداً معرفياً جامعاً مانعاً، يجمع بين عمق التحليل التاريخي ودقة التوثيق وعلمية المنهج في قالب غير مسبوق. إنه حقا تحفة فكرية تشرح الأبعاد المعقدة بسلاسة وأصالة، مما يفسر وصوله إلى الطبعة الذهبية السادسة عشرة في غضون عام واحد. وقد تجلت شهرته العالمية المستحقة بترجمته إلى الإنكليزية والفرنسية والإسبانية، فضلا عن عقود ترجمة إلى عشر لغات أخرى، وهو ما جعله مرجعاً لا غنى عنه في موضوعه. باختصار، هذا كتاب يُشكّل إضافة نوعية للمكتبة العربية والعالمية، ويُعدّ من أبرز الإصدارات الفكرية الرصينة في عام 2024 وما بعده“؛ وفي ذلك إشارة من الخبير الدولي في الترجمة إلى تميّز هذا الجهد الفكري بقابليته للعبور الثقافي، وقدرته على مخاطبة القارئ في أوروبا وأمريكا اللاتينية والفضاء الأنجلوسكسوني بذات القوة والوضوح.

الطبعة الذهبية”.. لماذا هذا الوصف؟

إطلاق وصف “الطبعة الذهبية” على الطبعة السادسة عشرة لم يكن مجرد احتفاء رمزي، بل يعود إلى أنّ الكتاب حقق (أولا) رقماً قياسياً وطنياً غير مسبوق؛ و(ثانيا) لأنه أصبح نموذجاً لما يمكن أن يحققه الفكر النقدي حين يلامس قضايا الأمة والإنسانية العميقة؛ ولأنه أعاد الثقة (ثالثا) في قوة الكتاب الورقي وقدرته على صناعة الرأي العام.

كما تشير مصادر من دار النشر إلى أن الطبعة 17 قيد التحضير، في ظل استمرار الطلب المتزايد في المغرب وخارجه، مع وجود عقود ترجمات تهم عشر لغات، وتشمل الفرنسية والإسبانية والإنجليزية والعبرية، والتي اكتملت وستصدر قريبا داخل وخارج المغرب، كما ستتوفر على المنصات الرقمية الدولية.

تصريح الناطق باسم دار النشر “الخيام

وفي تصريح خاص للموقع، عبّر الدكتور مصطفى العوزي، الناطق الرسمي باسم دار النشر الخيام، عن اعتزاز الدار بهذا الإنجاز قائلاً: ” سجل كتاب المسألة اليهودية في عصر الطوفان للدكتور الحبيب الشوباني رقما قياسيا من حيث عدد المبيعات بالمغرب، ففي ظرف سنة واحدة من صدوره؛ فقد بيع من الكتاب أزيد من 7500 نسخة، وهو رقم استثنائي جدا في بلد لا تتعدى فيه نسبة إنفاق الأسر على الثقافة 2.8 %. ومنذ استقلال المغرب، لم يسبق لكتاب أن حقق هذا الرقم في ظرف سنة واحدة، فكتاب “نقد العقل العربي” للمفكر الكبير محمد عابد الجابري رحمه الله– من الكتب الأكثر مبيعا على سبيل المثال – حقق نجاحا كبيرا منذ صدوره سنة 1974، بحيث بلغ عدد طبعات بعض أجزائه 13 طبعة، وهو عدد تحقق خلال  هذه المدة الطويلة، ثم إنه نجاح ارتبط بالتوزيع بالمشرق أكثر، لأنه نشر بلبنان بمركز دراسات الوحدة العربية، ويوزع في كل الدول العربية”؛ مضيفا فيما يؤكد الاقتناع باستثنائية الإنجاز “إن المسألة اليهودية كتاب كسر كل القواعد الخاصة بالنشر في المغرب، وأعاد الأمل لصناعة النشر والكتاب.”

بين الفكر والسياسة… مسار مؤلف مثير للانتباه

كما يرى الدكتور عبد الله صغيري مُراجع النسخة العربية، وهو أستاذ بالكلية متعددة التخصصات بالرشيدية، أنّ الكتاب “يمثل لحظة نوعية في النقاش الأكاديمي حول المشروع اليهودي الصهيوني ومأزقه الوجودي في قلب الحوض الحضاري الإسلامي، مضيفاً: عندما تشرفت بمراجعة هذا العمل النفيس، أدركت أنني أمام مشروع علمي متماسك تتقاطع فيه خلفيات معرفية ومنهجية لعلوم متنوعة تجمع بين التاريخ والفكر والسياسة بشكل يكاد يكون غير مسبوق . كان متوقعًا فعلا أن يلقى الكتاب صدى متألقا ، لكن الانتشار الذي حققه يفوق كل التوقعات، ويدل على تحوّل عميق في وعي القارئ العربي”.

وفي سياق متصل، أكد بعض المهتمين بأنه لا يمكن فصل الصدى الواسع للكتاب عن المسار الفكري والسياسي لمؤلّفه الذي راكم خبرة في تدبير الشأن العام والانشغال الفكري بقضايا الإصلاح السياسي والمجتمع المدني، قبل انتقاله إلى الاهتمامات الأكاديمية ودراسة جذور المسألة اليهودية في ضوء الأحداث الجارية.

رسالة الكتاب في عصر الإبادة النازية الجديدة

يرى متابعون أنّ قوة الكتاب تكمن في كشف العوامل التاريخية والدينية المؤسسة للعقل السياسي الصهيوني، وفي تفكيك المنطق الداخلي للمشروع الاستيطاني الإحلالي، وربط ذلك بالتحولات التي فرضتها حرب الإبادة في غزة. وبذلك يصبح الكتاب وثيقة معرفية لفهم أحد أخطر ملفات العصر. وفي هذا الصدد أكد لنا المؤلف الدكتور الشوباني بأنه يعتبر الكتاب “مساهمة في تعزيز منظومة الأمن المعرفي لدول وشعوب الحوض الحضاري الإسلامي، والتي تعاني لأزيد من قرن من عملية اغتصاب فكري جماعي سبقت اغتصاب الأرض، مارستها الامبريالية الغربية في ركاب مدها الاستعماري، والتي قدمت خدمة ملغومة للمشروع الصهيوني، تجسدت في تهريب وتجميع يهود أوربا في فلسطين، كحل مأزوم لقضية أوروبية خالصة، تعرف في تاريخ الفكر الغربي ب”المسألة اليهودية“؛ مضيفا في بيان العلاقة مع سياق  الطوفان بأن “طوفان الأقصى يمثل من منظور فكري خالص حربا تحررية معرفية، انفجرت في وجه الاغتصاب الفكري الذي جسدته سردية صهيونية أساطيرية زائفة – قبل الانفجار في وجه الاحتلال العسكري لفلسطين- وتلك رسالة فهمها العالم بوضوح، يدل على ذلك الانقلاب الفكري والوجداني العالمي الجاري لصالح سردية الحق الفلسطيني، ودخول المشروع الصهيوني في حالة نكبة فكرية استراتيجية غير مسبوقة، فقَدَ بسببها القدرة على توقع مآلات التورط في حرب إبادة نازية جديدة، وحكمت عليه بالعزلة وعلى كيانه بالمروق والنبذ العالمي، وأيضا على سردياته المحروسة بغرور القوة، بالانهيار وفقدان أي مشروعية دينية أو أخلاقية أو قانونية“.

خلاصة القول، لقد أصبح كتاب “المسألة اليهودية في عصر الطوفان” أكثر من كتاب ناجح؛ إنه ظاهرة ثقافية وفكرية أعادت الاعتبار لقوة المعرفة في تفسير التاريخ وصناعة المستقبل، وهو ما يؤكد أن ما قدمه الدكتور الشوباني يرقى إلى مستوى التحليل البنيوي الذي يتجاوز التناول الصحفي أو الإيديولوجي، ليقدم للجامعة والمختبرات البحثية مادة أصيلة يمكن البناء عليها في الدراسات التاريخية والسياسية. وبذلك يمكن اعتبار “الطبعة الذهبية” عنواناً لمرحلة جديدة من تحولات الوعي العام مغربيا وعالميا، في اتجاه المناهضة والتفكيك المعرفي لسرديات آخر احتلال استيطاني عنصري، ألحق أضرارا جسيمة بالقيم الإنسانية المشتركة في العالم.

مقالات ذات صلة

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى