
تحيي الأوساط الثقافية والفنية الأمازيغية هذه الأيام ذكرى رحيل الفنان الشاب مبارك أو العربي، المعروف فنيًا بلقب “نبا”، الذي شكّل خلال مساره القصير نموذجًا للفنان المثقف، حيث التقت في تجربته الموسيقى بالفكر، والإبداع الفني بالانشغال بالقضايا الإنسانية والمجتمعية.
وُلد مبارك أو العربي سنة 1982 بقرية ملعب التابعة لإقليم الراشيدية، ونشأ في بيئة قروية قبل أن ينتقل لمتابعة مساره الدراسي بكل من الراشيدية ومكناس. وقد جمع الراحل بين التكوين الأكاديمي المتعدد والاهتمام العميق بالشأن العام، إذ حصل على إجازة في العلوم السياسية سنة 2006، وأخرى في الدراسات الفرنسية سنة 2009، كما واصل تكوينه في مجالات العلاقات الدولية والحقوق والحضارة، واشتغل على بحوث وكتابات تناولت قضايا المغرب وأسئلة الإنسان في بعدها الكوني.
إلى جانب مساره الأكاديمي، شق «نبا» طريقه الفني منذ سن مبكرة، مدفوعًا بشغف واضح بالموسيقى والغناء، ومتأثرًا بالأغنية العالمية الملتزمة. وتمكن من إتقان العزف على عدة آلات موسيقية، من بينها القيتارة والساكسوفون والعود والناي، كما انفتح على مجالات فنية أخرى، كالفن التشكيلي وكتابة الشعر بلغات متعددة، من بينها العربية والفرنسية والإنجليزية، وهو ما أضفى على أعماله طابعًا إنسانيًا وثقافيًا متفردًا، وجعل حضوره لافتًا داخل الأوساط الطلابية والثقافية.
وفي يوليوز 2010، مثّل الراحل التجربة الأمازيغية في مهرجان دولي احتضنته سويسرا، غير أن عودته إلى المغرب لم تخلُ من أحداث مأساوية، إذ تعرّض بعد أيام قليلة لوعكة صحية مفاجئة استدعت نقله إلى المستشفى العسكري بالرباط، حيث بدأت حالته الصحية في التدهور بشكل تدريجي.
وفي التاسع من يناير 2011، أسدل الستار على حياة مبارك أو العربي، الذي فارق الحياة في سن لم تتجاوز 28 سنة، قبل أن يُوارى الثرى بمسقط رأسه بإقليم الراشيدية، مخلفًا صدمة كبيرة في صفوف محبيه وداخل المشهد الفني الأمازيغي.
وقد أثار رحيله آنذاك نقاشًا واسعًا بشأن ملابسات الوفاة، حيث عبّر بعض المقربين منه عن تساؤلاتهم حول ظروفها، في مقابل تأكيد فاعلين فنيين وأفراد من عائلته، من بينهم شقيقه خالد أو العربي، أن الراحل كان يعاني من مرض نادر، مع التشديد على غياب معطيات ملموسة تدعم فرضيات أخرى، وبقاء الحقيقة الكاملة رهينة بما قد تكشفه الأيام.
ورغم قصر تجربته الفنية، ظل مبارك أو العربي حاضرًا في الذاكرة الجماعية كصوت اختار أن يجعل من الفن وسيلة للتعبير عن القيم والقناعات، تاركًا أثرًا يتجاوز الزمن، وتجربة فنية وإنسانية ما تزال تلهم أجيالًا من المهتمين بالثقافة الأمازيغية.






