د. الحبيب الشوباني يكتب: تفكيك مصير الإعراض الاستكباري عن الحق : تأملات سننية في “قانون المرصاد الإلهي” من وحي الآية 20 من سورة الفجر

د. الحبيب الشوباني
أولا ، مدخل منهجي:
بعد استعراض مصير عاد وثمود وفرعون في مطلع سورة الفجر، جاء قول الحق سبحانه وتعالى ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ خاتمةً لعرض قرآني كثيف لنماذج تاريخية بلغت ذروة القوة والبطش، ثم آلت إلى السقوط. إن هذا التقرير الإلهي لم يأت بوصفه تهديدًا وعظيًا أو وعيدًا غيبيًا معلقًا على المآل الأخروي فقط، بل قدَّمه السياق القرآني بوصفه خلاصة سننية تحكم مآلات القوة حين تنفصل عن العدل.
فالمرصاد هنا ليس لحظة انتقام بمنطق رد الفعل، بل وضعية تاريخية تُترك فيها مشاريع الهيمنة والعلو، المعرضة عن التوحيد والعدل والحق، لتتحرك داخل نطاق الإحاطة الإلهية، حيث تُستدرج بالقوة والتمكين، ويُملى لها لتستنفد زمنها في الإعراض، قبل أن تنقلب أدواتها إلى أسباب انكشافها. ومن هذا المنظور، يمكن الحديث عن قانون المرصاد الإلهي باعتباره قانونًا يحكم نهاية كل طغيان، من داخل مكره واستكباره لا من خارجهما.
ثانيًا؛ المرصاد في اللغة والتفسير : من الترقب إلى الإحاطة السننية
المرصاد في أصل اللغة من رَصَدَ، أي راقب وانتظر على يقظة. والرصد هو الترقب، والمرصاد موضع الترقب . غير أن هذا المعنى اللغوي يكتسب في السياق القرآني بُعدًا أعمق، إذ يتحول المرصاد إلى إحاطة زمنية–تاريخية شاملة، لا يفلت منها الفاعلون مهما امتلكوا من أسباب القوة والسيطرة المادية.
وقد ذهب التفسير التراثي مع الطبري إلى أن المرصاد يدل على أن الله يمهل الظالمين ولا يُهملهم، وأن أعمالهم محفوظة حتى يؤخذوا بها. وبيّن القرطبي أن المرصاد يفيد التهديد المؤجَّل، لا المعجَّل، لأن الإمهال جزء من الامتحان والعقوبة. وأشار الرازي إلى أن الطغاة حين يُمهَلون يظنون ذلك رضًا، بينما هو في الحقيقة استدراج يزيدهم تورطًا وخبالا.
وفي هذا السياق التفسيري نفسه، يندرج تحليل ابن عاشور الذي يُعدّ من أدقّ من نقل مفهوم المرصاد من مستوى الجزاء الأخروي إلى تفكيك البنية السلوكية للطغيان. فابن عاشور يربط المرصاد الإلهي بآليات نفسية وسياسية محددة، أبرزها الإعراض الاستكباري عن الحق، لا الجهل به. ومن هنا، يصبح المرصاد متعلّقًا لا بالفعل الظالم فقط، بل بالوضعية الذهنية التي تسبق الظلم وتُعيد إنتاجه.
ثالثًا؛ بين المرصاد وسلوك الإعراض : التلازم السنني بين الترقب الإلهي و”ثَنيُ العِطفِ”
يشتغل قانون المرصاد – سننيًا – على تعقّب نمط مخصوص من الفعل الإنساني، لا كل خطأ أو انحراف. فهذا القانون لا يلاحق الضعف البشري، ولا يتعقب الحيرة المعرفية، بل يرصد الإعراض المقصود الذي يتخذ من القوة والجدل وسيلة لإبطال الحق وإشاعة الظلم.
وهنا يكتمل الربط السنني بين آية سورة الحج: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بوصفها توصيفًا دقيقًا للحالة التي تستدعي المرصاد. فـ ” ثني العطف”- اي لَيُّ العِطف الذي هو جانب العُنق – ليس مجرد حركة جسدية، بل كناية عن الإعراض المستكبر، الذي لا يهمه البحث عن الحقيقة، بل يتجنبها ويلوِي عنها عنقه. وهذا النوع من الإعراض ليس عارضًا، بل مقصود لذاته، لأن الغاية المصرّح بها هي الإضلال.
بهذا الربط التدبري، يتضح أن قانون المرصاد الإلهي لا يعمل في مجال الخطأ البشري في التقدير والتدبير، بل يرصد السلوك الاستكباري المتأله، ويتعقّبه عبر تلافيف الزمن، ويتركه يتضخم ويتصلب، حتى يبلغ حدّ الانكشاف. فكلما ازداد الإعراض كفرا بالتوحيد والحق والعدل، ازداد صاحبه مُلاحقة داخل نطاق الرصد السنني، حيث تتحول قدرته على الجدل إلى عجز عن الإقناع، وقوته في الفعل إلى عبء أخلاقي، وتمكينه إلى عزلة تنعي مصيره البائس المحتوم.
رابعًا؛ من القانون إلى النموذج : المشروع الصهيوني بوصفه “ثاني عطفه”
في ضوء هذا البناء السنني، يمكن قراءة الحل الصهيوني للمسألة اليهودية لا بوصفه صيرورة صراعية ذات طبيعة استثنائية في التاريخ، بل بوصفه نموذجًا مكتملًا للإعراض الاستكباري الواقع تحت سلطان قانون المرصاد الإلهي . فقد قام هذا المشروع الإفسادي في الأرض، منذ تأسيسه، على الإعراض بالإنكار الواعي لحقائق التاريخ والجغرافيا والإنسان، و”ثنى عِطفه” بالأساطير المشيحانية عن حقيقة الوجود التاريخي والحضاري للشعب الفلسطيني، ثم سخّر المعرفة الدينية والتاريخية والقانونية لإنتاج سردية إضلالية عالمية التأثير، تبرّر النكبة والإحلال والاقتلاع والإبادة.
لقد جادل المشروع الصهيوني المسلح بأدوات الحداثة الغربية: في الفكر (بتحويل الجماعات اليهودية المتعددة إلى شعب وقومية وأمة سياسية تحتاج وطنا)؛ وفي التاريخ (بتحويل نص توراتي عمره أربعة آلاف سنة إلى نبوءة وصك عقاري يشرعن احتلال أرض شعب أصيل)، وفي الجغرافيا (بجعل فلسطين أرضا لتحقيق النبوءة)، وفي العلاقات الدولية (بتسخير الامبريالية الغربية لتحقيق النبوءة بوعد جول كامبون الفرنسي وبلفور الانجليزي). جادل العقل الصهيوني عن باطله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير؛ لا لأنه يجهل ذلك كله، بل لأنه أعرض عنه استكبارًا وعلوا وفسادا. وبهذا المعنى، فإن ما يعيشه هذا المشروع الإضلالي العالمي اليوم من أزمة شرعية ووجود، وانكشاف أخلاقي وقيمي، وتحوّل فائض القوة إلى عبء على السلم والتعايش البشري، ليس طارئًا ولا عرضيًا، بل مفعولًا سننيًا مباشرًا لقانون المرصاد الإلهي الذي يلاحق الإعراض الاستكباري، فلا يغفله ولا يُفلته.
خاتمة
إن قانون المرصاد الإلهي ، كما يتبدّى من تدبّر القرآن ومن فهوم المفسرين، لا يعِدُ بسقوطٍ فوريٍّ للمعرضين عن الحق بالاستكبار، ولا يقدّم تعزيةً خطابيةً للمستضعفين، بل يكشف سننَ الله في رصد حركة التاريخ، وكيف يشتغل قانون المرصاد الإلهي في تناغمٍ بديع مع قوانين المكر والاستدراج والإملاء والإحاطة، وهو يتعقّب الطغيان، تاركًا إيّاه يستكمل منطقه ومداه. فالإعراضُ الاستكباري، حين يتحوّل إلى بنيةٍ عقائديةٍ وسياسيةٍ حاكمة، ويُسخَّر جدلُ السرديات الزائفة للإضلال بروايةٍ مُؤسْطِرةٍ واهية، يصبح صاحبُه واقعًا حُكمًا تحت الملاحقة اللحظية لأجهزة المرصاد الإلهي، لا تنفكّ عنه مهما طال به الزمن، وامتدّ به المكر، وتعاظم به الغرور، وتكاثف حوله الوهم المضلِّل.
وفي الحالة الصهيونية المستدرَجة سُننيًا لفخّ احتلال فلسطين، والإفساد والعلوّ الكبير فيها، لا يشير هذا القانون إلى نهايةٍ زمنيةٍ محددة، بل إلى نهايةٍ سننيةٍ وشرعيةٍ محتومة، حين يفقد المشروع قدرتَه على تبرير وجوده، ويغدو وجوده نفسُه موضعَ سؤالٍ أخلاقيٍّ إنسانيٍّ عالميّ، وتلك – في منطق السنن الإلهية الكونية – أخطرُ أشكال السقوط، إذ لا تُعلَن بداياتُه، ولا تُستشرف مآلاتُه، ولا يُؤمَن عنفُ استئصاله، كما حكى القرآن ذلك عن عادٍ الباغية، وثمودَ الطاغية، وفرعونَ ذي الأوتاد..!






