مجتمع

د. الحبيب الشوباني يكتب: تفكيك هندسة الإملاء لأوهام العلو والإفساد : تأملات سُننيّة في “قانون الإملاء الإلهي” من وحي الآية 183 من سورة الأعراف

د. الحبيب الشوباني

أولًا: الزمن من الفيزياء الحديثة إلى القرآن

تجاوزت الفيزياء الحديثة المفهوم التقليدي للزمن في الفيزياء الكلاسيكية. فلم يعد الزمن إطارا محايدا تجري داخله الأحداث، ولا هو خلفية صامتة مستقلة عن المكان والحركة والطاقة، بل بنية تتأثر جدليا بالحركة والطاقة والجاذبية، وله اتجاه ناتج عن شروط كونية قد لا تكون عنصرًا أوليًا في بنية الواقع كما يشعر به الإنسان، بل نتيجة لتنظيم أعمق للمادة والكون والنفس البشرية.

بتدبر القرآن، نجد دلالات هذا المعنى في المفهوم الزمني للقرآن في الآية التالية: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾  سورة الأعراف، الآية 183 . فالقرآن لا يتحدث عن الزمن بوصفه حيّزًا محايدًا بين الفعل ونتيجته، أو كفاصل كرونولوجي صامت يفصل الذنب عن الجزاء، بل يقدّمه كعنصر فاعل في تشكّل المصائر الفردية والجماعية، وكساحة اشتغال للقوانين السُّننيّة الحاكمة لمسار التاريخ. ومن هذا المنظور، يتعين فهم “الإملاء الإلهي” على أنه ليس تأجيلا غير محسوب للعقوبة، أو فسحة أخلاقية مفتوحة على إمكان التوبة فحسب، بل كميزان دقيق وآلية للمحاسبة، تُفعَّل حين تبلغ البُنى المنحرفة درجة الانسداد بالعلو والإفساد، وتستنفد فرص التصحيح من داخلها. “الإملاء” بهذا المعنى، ليس إذن نقيضًا للعدل، ولا تعليقًا له، بل صيغة من صِيَغه المؤجَّلة ضمن تقدير سنني صارم، يُعاد فيه ترتيب العلاقة بين الفعل والعاقبة وفق منطق الكشف لا منطق الخسف. فحين تنفصل السلطة والقوة عن القيم الإلهية الكونية، وتُستبدل الشرعية والمشروعية بالقهر، يتحوّل الزمن من مورد إصلاحي إلى أداة انتحار ذاتي، وتغدو السيرورة التاريخية ذاتها جزءًا من آلية الإجهاز على القوة الغاشمة. وعليه، لا يمكن قراءة “الإملاء” بوصفه غيابًا للفعل الإلهي، بل باعتباره نمط حضور خاص، يعمل بالزمن مسخرا طاقته الاستنزافية من داخل النسق، ويُنجز مهام الإجهاز عليه من مركزه لا من هوامشه.

ثانيًا: قانون الإملاء الإلهي في فهوم كبار المفسرين

يكشف التفسير القرآني التراثي أن الإملاء لا يدل على الإهمال ولا على التساهل مع الظلم، بل على تركٍ متعمد ومقصود يجري في سياق العدل المؤجَّل. فقد اتجه كبار المفسرين، من الطبري إلى الرازي والقرطبي وابن عاشور، إلى أن الإملاء يعني تمكين الظالم من الاستمرار في فعله، لا تكريمًا له، بل ليبلغ فعله تمام منطقه، فتقع العاقبة على أساس الحُجّة المكتملة.

فالطبري يربط الإملاء بزيادة الإثم كلما امتد الزمن، مؤكدًا أن هذا الامتداد ليس عن غفلة، بل عن تدبير إلهي محكم. ويشير الرازي إلى أن الإملاء هو الزمن الذي تنقلب فيه النعمة إلى نقمة حين تنفصل القدرة عن الحكمة. أما القرطبي فيشدّد على أن طول الأمد مع دوام الظلم علامة خذلان لا علامة رضا، وأن الإملاء دليل سقوطٍ من عين العناية لا قربٍ منها. ويُحكم ابن عاشور هذا المعنى حين يقرر أن الإملاء سُنّة جارية في تاريخ الأمم، غايتها أن يبلغ الانحراف مداه الأقصى، فتقع نهايته وفق قانون لا تحكمه الاستثناءات.

ثالثًا: قانون الإملاء الإلهي كناموس للاشتغال السُّنني بالكيد المكين

يشتغل قانون الإملاء الإلهي كما يشتغل قانون الاستدراج الالهي، سوى أن الأول يوظف مورد الزمن، فيما يوظف الثاني عجز العقل عن الاستبصار. في كليهما يُترك النسق المنحرف يعمل بكامل أدواته، دون تعطيل للأسباب، ولا نزعٍ لوسائل الفعل، ولا كسرٍ فجائي لمساره. فالتمكين يستمر، والقدرة تتراكم، والنجاحات المرحلية تتوالى في سياق يبدو متماسكًا في الظاهر، بينما تتآكل شروط الاستمرار في أسس المشروع، لأنه عاجز عن حساب كلفة مخاطر المعاكسة الإرادية الميزان العدل الإلهي.

يبدأ عدّادُ اشتغال قانون الإملاء الإلهي عندما تتحول القوة إلى غاية في ذاتها، ويُعاد تعريف الشرعية على أساس القدرة على القهر فقط، فيصبح الزمن عنصر امتحان لا حليفًا مضمونًا. وبذلك، لا يعمل الإملاء ضد مخططات القوى العمياء، بل من داخل تفاصيلها، ولا يُبطل برامجها الاستراتيجية الذكية جدا، بل يصرفها إلى نقيض مرادها بسبب تعطيل كل قابلية للمراجعة والتصحيح. وعلى هذا الأساس، تتضح دلالة اقتران الإملاء في الآية بوصف “الكيد المتين” . فالكيد هنا لا يُراد به المكر الجزئي أو الحيلة الظرفية، بل التدبير السُّنني الذي يعمل في عمق البنية لا في سطح الوقائع. ومتانة هذا الكيد لا تتجلى في سرعة الحسم ولا في شدة الضربة، بل في إحكام السيرورة التاريخية ذاتها؛ أي في ترك مشروع العلو والإفساد يستنفد منطقه الداخلي إلى نهاياته القصوى، دون أن يُمنح ذريعة الادعاء بأنه أُجهض قسرًا أو أُفشل من خارج شروطه.

فـ”الكيد المتين” هو كيد يعمل بالزمن لا ضده، ويحوّل الامتداد الزمني نفسه إلى أداة كشف ودليل إدانة، بحيث تصبح كل خطوة يخطوها المشروع المنحرف ـ وهو يظنها تقدّمًا ـ تفاصيل مهمة في هندسة سقوطه المبرمج.

رابعًا: العمى السُّنني ووهم الشرعية الدائمة للعلو والإفساد

يفضي “الإملاء” ك”الاستدراج” إلى نوع خاص من العمى الزمني، فهو لا يقوم على نقص المعرفة ولا على ضعف التحليل، بل على العجز عن إدراك العلاقة بين التراكم الكمي للقدرة الباغية، والتآكل النوعي لمعنى وجودها في سجل الزمن ككائن حي مدرك ومراقب. إنه عمى سُنني يجعل الفاعل يخلط بين الامتداد الزمني وصحة المسار، وبين الاستمرار القهري وامتلاك المشروعية.

في هذا السياق، يتشكّل وهم الشرعية الدائمة المتعالية على القصاص والمحاسبة، حيث تُفهم النجاحات المرحلية بوصفها تصديقا تاريخيا نهائيا، ويُختزل الزمن في كونه أداة تأكيد لا مجال فيها للاختبار أو الشك. وهنا يفقد المشروع قدرته على رؤية ذاته المتهالكة من الخارج، وتتعطل آليات النقد الداخلي، ويغدو أي تساؤل بسيط سلوكا مدانا في منطق سردية العلو والإفساد.

خامسًا: الإملاء كآلية فتك داخلي صامت

لا يقوم الإملاء كما الاستدراج على الصدام، ولا يستدعي التدخل المباشر، بل يشتغل عبر الانسياب والتفخيخ الهادئ للتناقضات. فهو لا يواجه المشروع الإفسادي بالمنع، بل يتركه يستغرق زمنه وفق منطقه، حتى تتحول اختياراته إلى قيود مكبِّلة، وتغدو قراراته عبئًا فتاكا لا يمكن التراجع عنه دون انهيار شامل للنسق.

في هذه المرحلة من الأفول المبرمج، يفقد الزمن حياده، ويكشف عن طبيعته كعامل فتك داخلي، تتراكم ضرائبه في صورة كلفة أخلاقية وسياسية ورمزية وإنسانية، إلى أن يصبح الاستمرار ذاته مستحيلا لأن كلفته أكثر من أي بديل آخر. وهنا تتكشف وظيفة قانون الإملاء الإلهي بوصفه هندسة محكمة يتصرف فيها الزمن كسلاح فتكٍ طويل الأمد، لا يُدرك بأسه إلا حين يصبح الإفلات من بطشه مهمة في حكم الاستحالة.

سادسًا: قانون الإملاء الإلهي في حالة «الحل الصهيوني للمسألة اليهودية»

في الحالة الصهيونية واحتلال فلسطين، يتجلى الإملاء الإلهي بوضوح في ترك المشروع اليهودي الصهيوني يعمل بكامل منطقه الاستيطاني المتسلل تحت جناح الحماية الغربية، منذ تقديمه حلًا نهائيًا ل «المسألة اليهودية»، إلى تحوله كيانًا قائمًا على الاحتلال والاغتصاب الدائم، والعنف الشامل الممنهج، والشرعية المفروضة بالقوة الغاشمة.

لقد قُرئت عقود الاستقواء العسكري، وملايير الدعم الغربي، ومنظومات الإسناد السياسي الدولي، ومكتسبات الاختراق التطبيعي، وجولات السيطرة بسردية المظلومية، بوصفها دلائل نجاح تاريخي استثنائي. غير أن هذا الامتداد الزمني كان في جوهره إملاءً سننيًا، سمح للمشروع بأن يُراكم تناقضاته: دولة تُسوَّق كملاذ آمن لليهود، لكنها تتحول إلى گيتو مشحون بقلق وجودي دائم؛ وسردية تحررية حقوق-إنسانية ديمقراطية مزعومة؛ تنكشف كمنظومة فصل عنصري لاهوتي متوحش؛ وقوة ردع “لا تقهر” تفقد ثقتها بنفسها بصعقة الطوفان، فتلجأ مرعوبة إلى حل الإبادة الجماعية.

لقد كشف قانون الإملاء الإلهي عجز منظومة العلو والافساد اليهودي الصهيوني في فلسطين المحتلة عن أي  مراجعة جذرية لهذا الحل الفاشل للمسألة اليهودية، ولو في مستوى احترام مقتضيات الاتفاقات المبرمة بوساطات دولية منحازة لانتشاله من مأزقه. ففي كل مرة يعيد الاحتلال إنتاج منطقه الأعمى، مراهنا على مزيد من العنف والإنكار والتبرير، في حركة مفرغة من المعنى، عمّقت بالإملاء مأزقه الوجودي، إلى أن باتت كلفة استمرار الكيان أعلى من قدرة الاحتمال المادي والرمزي والأخلاقي، محليًا وعالميا ويهوديا.

سابعًا: لحظة الانكشاف وسقوط وهم الزمن الحليف

لا تسقط مشاريع العلو والافساد إذن حين تتلاشى قوتها المادية فقط، بل حين تفقد قدرتها على تقديم المعنى المقنع لوجودها واستمرارها. ووفق قانون الإملاء الإلهي ، لا تأتي لحظة الانكشاف كصدمة واحدة، بل كأزمة مركبة بطيئة التشكل والتعقيد: أزمة شرعية دولية مهزوزة، وأزمة سردية لاهوتية مخرومة، وأزمة كلفة وجود انتحارية، وأزمة اندماج مستحيل في نسق حضاري رافض لمشروع إفسادي يرى فيه تناقضه المركزي الوجودي.

خاتمة

يكشف قانون الإملاء الإلهي، في ضوء السنن التاريخية، أن أخطر ما يمكن أن يُمنح لمشاريع الافساد والعلو الكبير ليس الهزيمة السريعة، بل الزمن الكافي لتكشف ذاتها بذاتها. فالإملاء لا يُسقِط بالقهر، بل يترك الزمن يُكمل وظيفته السننية في الفتك بالنسق من الداخل، حتى تسقط شرعيته، ويتهشّم معناه، وتتحول القوة والسلطة إلى مأزق وجودي لا حل لهما سوى الخلاص بالتفكيك.

وفي سياق مأزق «الحل الصهيوني للمسألة اليهودية» في فلسطين المحتلة، لا يسمح هذا القانون بقراءة الأزمة بوصفها حدثًا سياسيًا عابرًا، بل نتيجة لمسار طويل من الإملاء السُّنني، حيث أُسيء تأويل الامتداد الزمني بوصفه ضمانة، وأُغلقت أبواب المراجعة بالأساطير والأطماع المشيحانية، وتُرك المشروع يواجه مآلاته كما حشر فيها نفسه.

في هذا المصب السنني تلتقي روافد قوانين الإملاء والمكر والاستدراج في تقرير حقيقة قرآنية جامعة:

إن العلو والافساد لا يسقطان بضربة لازب، لكنهما لا ينجوان أبدًا من الاستهتار بعامل الزمن ككائن حي ومدرك وذي وظيفة… لأن الزمن حين يُفهم خارج وظيفته السننية، يتحول من نعمةٍ موهومة إلى شاهد إدانة نهائي للعلو والإفساد…!

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

Back to top button
error: Content is protected !!

Adblock Detected

يجب عليك تعطيل مانع الإعلانات - Ad Block أو عدم إغلاق الإعلان بسرعة حتى يمكنك الإطلاع على المحتوى